هل يتأثر النفط الفنزويلي بتغير النظام؟ أنس الحجي يكشف وهم "حنفيات الخام"
أحمد بدر

تثار تساؤلات واسعة حول مستقبل النفط الفنزويلي مع أيّ حديث عن التغير السياسي بالبلاد، وسط ربط مباشر بين شكل النظام وقدرته على إدارة القطاع النفطي، وتأثير ذلك في الأسواق العالمية، في ظل تجارب دول أخرى شهدت تغيرات مشابهة في القيادة دون تبدُّل جذري في بنية الدولة.
وفي هذا السياق، قال مستشار تحرير منصة الطاقة المتخصصة، خبير اقتصادات الطاقة الدكتور أنس الحجي، إن الحديث عن تغير النظام في فنزويلا يتطلب تمييزًا دقيقًا بين تغير القيادة في القمة، وبين بقاء مؤسسات الدولة الأساسية.
وأشار إلى أن النفط الفنزويلي لا يتأثر بالشعارات السياسية بقدر تأثُّره بالوقائع الفنية والمؤسسية، إذ إن ما جرى تداوله خلال الأسبوع الماضي لا يرقى إلى مستوى التغيير الحقيقي في النظام، إذ لم يحدث انقلاب شامل في مؤسسات الدولة.
فما حدث في فنزويلا -وفق الحجي- هو بقاء الوزارات والأجهزة والإدارات تعمل بالآليات نفسها، وهو ما يفرض قراءة هادئة لتداعيات أيّ تحوّل محتمل على قطاع النفط الخام والغاز الطبيعي في فنزويلا.
وأوضح أن المقارنات مع حالات إقليمية أخرى، مثل سوريا، تبرز بوصفها نموذجًا لحالة تغيّر القيادة العليا، مؤكدًا أن هذا السيناريو لا يعني تلقائيًا طفرة في إنتاج النفط الفنزويلي أو سيطرة خارجية على قراراته.
جاءت تلك التصريحات في حلقة جديدة من البرنامج الأسبوعي "أنسيات الطاقة"، الذي يقدّمه أنس الحجي بمساحات منصة "إكس" (تويتر سابقًا)، وجاءت هذا الأسبوع بعنوان: "من فنزويلا إلى إيران.. كيف يعيد ترمب رسم خريطة النفط؟".
الفرق بين تغيير القيادة والنظام
قال أنس الحجي، إن الحالة الفنزويلية تفرض التفريق بين وضعين محتملين، الأول بقاء النظام نفسه مع تغيير في رأس القيادة، والثاني تغيير كامل في بنية النظام، موضحًا أن كل حالة تحمل انعكاسات مختلفة تمامًا على النفط الفنزويلي.
وأضاف أن السيناريو الأقرب هو ما يشبه التجربة السورية، إذ تتغير القيادة في القمة بينما تبقى مؤسسات الدولة والوزارات والمطارات والأجهزة الإدارية قائمة، وهو ما يعني أن مسار قطاع النفط سيظل محكومًا بالبنية نفسها.
وأشار إلى أن بعض التصريحات السياسية الأميركية، خاصة تلك المنسوبة للرئيس السابق دونالد ترمب، بالغت في تصوير القدرة على إدارة فنزويلا أو التحكم في النفط الفنزويلي، رغم غياب أيّ وجود ميداني أو تنسيق فعلي مع الشركات.

وأكد أنس الحجي أن الأخذ بتصريحات السياسيين حرفيًا، سواء من الجانب الأميركي أو الفنزويلي، يعكس جهلًا بطبيعة صناعة النفط، موضحًا أن الواقع الصناعي لا يُدار بالخطابات، بل بالاستثمارات والتشريعات والبنية التحتية.
ولفت إلى أن الحديث عن اتصالات سرّية مع قيادات فنزويلية قوبل بنفي رسمي، إذ يرى أن النفي بحدّ ذاته متوقَّع سياسيًا، ولا يمكن البناء عليه لتوقُّع تغييرات جوهرية بإدارة قطاع النفط والغاز في فنزويلا.
وأوضح أن الشركات النفطية العالمية فوجئت بتلك التصريحات، ولم تكن على علم بأيّ خطط مسبقة، بدليل الإعلان المتأخر لاجتماعات محتملة معها، ما يعكس غياب التنسيق المؤسسي الضروري لأيّ تحوّل حقيقي في قطاع النفط الفنزويلي.
وشدد خبير اقتصادات الطاقة على أن أيّ تغيير سلمي دون عنف قد يفتح باب تعديل التوجهات السياسية، لكنه لا يعني قفزة إنتاجية تلقائية، لأن صناعة النفط تحتاج إلى زمن واستقرار، وهو ما ينطبق بالكامل على قطاع النفط في البلاد.
وتابع الحجي: "الرهان على تغييرات سريعة في السوق العالمية بسبب فنزويلا يعكس سوء فهم عميقًا لطبيعة الدولة والصناعة معًا، خاصة في ظل القيود الفنية التي تحكم إنتاج النفط في البلاد".

قيود الإنتاج وحقيقة السيطرة على السوق
قال أنس الحجي، إن التحدي الأكبر الذي يواجه النفط الفنزويلي يتمثل في طبيعته الثقيلة والحامضية، ما يجعله بحاجة دائمة إلى مواد مميعة مثل النافثا والبنزين الطبيعي، وهي مواد لا تنتجها فنزويلا محليًا بكميات كافية.
وأوضح أن فنزويلا اعتمدت تاريخيًا على استيراد هذه المميعات من الولايات المتحدة، خاصة من منتجي النفط الصخري، قبل أن يؤدي الحظر الأميركي في 2018 إلى تحوّلها نحو إيران وروسيا، مع تراجع الإمدادات لاحقًا.

وأشار أنس الحجي إلى أن أيّ تعاون جديد مع الحكومة الفنزويلية سيتيح بسهولة توفير هذه المميعات من السوق الأميركية، إذ تحتاج فنزويلا إلى نحو 125 ألف برميل يوميًا فقط، وهي كمية محدودة يمكن تغطيتها بشحنات بحرية منتظمة.
وأكد أن توفير المميعات قد يرفع الإنتاج والصادرات نسبيًا، لكن السقف الواقعي للزيادة لا يتجاوز 200 ألف برميل يوميًا، ليصل إنتاج النفط الفنزويلي إلى نحو 1.1 مليون برميل يوميًا فقط دون استثمارات كبرى.
وأضاف أن أيّ زيادة تتجاوز هذا المستوى تتطلب استثمارات ضخمة، وشركات خدمات نفطية عالمية، وتمويلًا وتشريعات مستقرة، وهو مسار طويل لا يمكن اختصاره بالتصريحات أو القرارات السياسية السريعة.
وانتقد الحجي المزاعم التي تتحدث عن سيطرة أميركية على مئات المليارات من الدولارات من النفط الفنزويلي أو إغراق الأسواق بسرعة، إذ يرى أن هذا الخطاب نابع إمّا من جهل بالصناعة أو حقد سياسي على دول أوبك.
وأوضح مستشار تحرير منصة الطاقة المتخصصة أن الشركات النفطية لا تستثمر مليارات الدولارات من أجل خفض الأسعار والخسارة، مشددًا على أن صناعة عمرها 160 عامًا تُدار بمنطق الربحية والاستدامة، لا بمنطق الانتقام أو الشعارات.
واختتم تصريحاته بالقول، إن رفع الإنتاج بمقدار مليون برميل يوميًا يحتاج على الأقل إلى ثلاث سنوات حتى في أفضل الظروف، مؤكدًا أن فكرة فتح "حنفيات النفط" فورًا مجرد وهم، وأن مستقبل النفط الفنزويلي سيظل محكومًا بالواقع لا بالضجيج السياسي.
موضوعات متعلقة..
- آثار حصار صادرات النفط الفنزويلي.. كندا والعراق أبرز المستفيدين (تحليل)
- ناقلات النفط الفنزويلي في مرمى التصعيد الأميركي.. مصادرة وملاحقة بالعقوبات
- النفط الفنزويلي يتأهّب لدخول السوق الأميركية مجددًا.. تفاصيل
اقرأ أيضًا..
- تزويد السفن بالغاز المسال.. صفقات أوروبا وأميركا تنعش القطاع في 2025
- حقل غاز مصري احتياطياته تريليونا قدم مكعبة يستعد لحفر أول بئر
- نفط فنزويلا سلاح أميركا للضغط على الصين (تقرير)
المصدر:





