أول مفاعل نووي تحت الأرض.. ماذا تعرف عنه؟
دينا قدري
انطلقت عمليات بناء أول مفاعل نووي تحت الأرض في ديسمبر/كانون الأول 2025، فيما يُمكن أن يمثّل نقلة نوعية في الصناعة بأكملها، حال نجاح التجربة التشغيلية المرتقبة.
ووفق التفاصيل التي اطّلعت عليها منصة الطاقة المتخصصة، اختارت شركة ديب فيشن الأميركية (Deep Fission) بناء مفاعل نووي صغير على عمق ميل واحد تحت الأرض، في بلدة بارسونز بولاية كانساس.
وسيقام المفاعل النووي الجديد -الذي أُطلق عليه اسم "غرافيتي"- في مجمع غريت بلينز الصناعي، الموقع السابق لمصنع ذخيرة جيش كانساس؛ بما يسهم في تعزيز استقلال الطاقة وخفض أسعار الكهرباء لسكان الولاية.
وتشارك "ديب فيشن" في برنامج المفاعلات التجريبية التابع لوزارة الطاقة الأميركية، وهي مبادرة تهدف إلى تسريع نشر التقنيات النووية المتقدمة، من خلال مسار تنظيمي مبسّط، بموجب قانون الطاقة الذرية.
مفاعل نووي تحت الأرض
تعليقًا على بناء مفاعل نووي تحت الأرض، قالت المؤسسة المشاركة، الرئيسة التنفيذية لشركة "ديب فيشن" ليز مولر: "يمثّل هذا المشروع التجريبي خطوة أولى واعدة نحو أميركا المكتفية ذاتيًا بالطاقة.. نحن فخورون بشراكتنا مع مجمع غريت بلينز الصناعي وجنوب شرق كانساس لإظهار إمكانات الجيل المقبل من الطاقة النووية".
وتابعت: "صُمِّم مفاعلنا غرافيتي لتوفير طاقة أكثر أمانًا وسرعةً وبتكلفة أقل بكثير.. نحن ممتنّون للإدارة لإتاحة الفرصة لنا لتحويل الرؤية إلى واقع ملموس من خلال هذا البرنامج".
وأوضحت "مولر" أن المجمع الصناعي يسعى إلى استقطاب الصناعات، وربما مراكز البيانات أو غيرها من التطبيقات الكثيفة الاستهلاك للطاقة؛ ما يتطلب مصدرًا للكهرباء.
وتستهلك مراكز البيانات، على وجه الخصوص، كميات هائلة من الطاقة، ما يؤدي غالبًا إلى ارتفاع تكاليف الكهرباء للسكان المجاورين.
وانطلاقًا من ذلك، يأمل مشروع أول مفاعل نووي تحت الأرض في إشراك الجمهور؛ إذ صرّحت "مولر" بأن هناك العديد من الطرق التي ستتيح للناس التعبير عن آرائهم، لا سيما فيما يتعلق بأسعار المرافق العامة.
كما تستعمل مراكز البيانات كميات هائلة من المياه لتبريد الخوادم، ولكن تشير التقارير إلى أن شركة "ديب فيشن" لديها شراكة مع "إنديفور" (Endeavor)، الشركة الأم لـ"إيدجد" (Edged)، التي تُصنّع مراكز بيانات لا تحتاج إلى الماء، لذا من غير المرجّح أن يُمثّل الإفراط في استهلاك المياه مشكلة.
علاوةً على ذلك، أوضحت "مولر" أن النفايات المشعّة ستبقى تحت "مليارات الأطنان من الصخور"، كما تؤكد الشركة أن إمدادات المياه الجوفية المحيطة ستبقى آمنة تمامًا، بحسب ما نقلته منصة "كيه سي يو آر" (KCUR).
وفي بيان صحفي، ذكرت "ديب فيشن" أن بلدة "بارسونز" تُتيح فرصة "لتوسيع المجمع لعقود مقبلة".
وتأمل شركة "ديب فيشن" بتشغيل المفاعل بحلول 4 يوليو/تموز 2026. وبعد إثبات جدوى المفاعل للاستعمال التجاري، تخطط الشركة لتوسيع نطاق عملياتها.

مفاعلات ديب فيشن النووية
أسّست ليز مولر شركة "ديب فيشن" عام 2023 مع والدها، ريتش مولر، الأستاذ الفخري للفيزياء بجامعة كاليفورنيا في بيركلي.
وتقوم فكرة الشركة على حفر آبار بعمق ميل وعرض 30 بوصة، ووضع مفاعلات نووية صغيرة في قاعها، ويُضخّ الماء في هذه الآبار، حيث يتحول إلى بخار ويرتفع لتشغيل التوربينات، مُولّدًا الكهرباء. ثم يبرد الماء، ويعود إلى البئر لإعادة استعماله.
وإذا حُفرت الآبار على عمق يزيد على ميل واحد، يُمكن إغلاق المفاعل عند انتهاء عمره الافتراضي، ثم تركيب مفاعل آخر فوقه، بحسب التفاصيل التي اطّلعت عليها منصة الطاقة المتخصصة.
وصُمِّم كل مفاعل لتوليد الكهرباء لمدّة تتراوح بين سنتين و7 سنوات، وسيولّد المفاعل طاقة كافية لتزويد نحو 10 آلاف منزل بالكهرباء، ووفقًا لما صرّحت به ليز مولر.
وعلى الرغم من أن الانشطار النووي لا يُعدّ طاقة نظيفة، فإنه بالتأكيد أنظف من مصادر الطاقة التقليدية الملوثة كالفحم والغاز.
وتجري عملية الانشطار عن طريق تقسيم الذرات، ما يُنتج كميات هائلة من الطاقة، ولكنها تُطلق إشعاعات ونفايات نووية طويلة الأمد تتطلب معالجة وتخزينًا دقيقين للغاية.
مع ذلك، لا تُنتج الطاقة النووية التلوث نفسه الذي تُسبّبه محطات توليد الكهرباء بالفحم، والذي يُؤدي إلى ارتفاع درجة حرارة الأرض؛ ما يجعلها خيارًا أفضل وأكثر اقتصادًا، وقد يُسهم أيضًا في تحسين جودة الهواء.
مفاعل غرافيتي النووي تحت الأرض
في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، أعلنت شركة "ديب فيشن"، الاسم الرسمي لمفاعلها النووي تحت الأرض: مفاعل غرافيتي النووي (الجاذبية).
وقالت المؤسسة المشاركة، الرئيسة التنفيذية لشركة "ديب فيشن" ليز مولر: "تُعدّ الجاذبية من أكثر القوى موثوقية في الطبيعة.. حرصنا على تضمين هذه الموثوقية نفسها في تصميم مفاعلنا.. فمن خلال وضع مفاعلات غرافيتي في أعماق الأرض، نستفيد من قوى الأرض الطبيعية لجعل الطاقة النووية أكثر أمانًا بطبيعتها، وأقل تكلفة بشكل ملحوظ، وأسرع في النشر".
"اسم غرافيتي ليس مجرد رمز.. إنه يؤكد فلسفة تصميم شركة ديب فيشن، التي تستغل قوى الطبيعة الأكثر موثوقية لتوفير الكهرباء للبشرية بأمان واستدامة"، كما صرّح الرئيس التنفيذي للعمليات في "ديب فيشن" مايك براسيل.
ووفق التفاصيل التي اطّلعت عليها منصة الطاقة المتخصصة، يُركَّب كل مفاعل من مفاعلات "غرافيتي" في بئر على عمق ميل تحت سطح الأرض، محاطًا بمليارات الأطنان من الصخور، وتُملأ البئر بالماء، ما يُولّد ضغطًا يُقارب 160 ضغطًا جويًا، وهي الظروف المثالية لمفاعل الماء المضغوط القياسي.

ويوفر الموقع الجوفي العميق احتواءً وضغطًا مُدمجين؛ ما يقلل الحاجة إلى هياكل ضخمة فوق سطح الأرض، ويخفض المساحة السطحية بشكل ملحوظ.
يجمع نظام "ديب فيشن" بين 3 تقنيات راسخة:
- مفاعل الماء المضغوط القياسي من القطاع النووي.
- حفر الآبار العميقة من صناعات النفط والغاز.
- تقنيات نقل الحرارة الجوفية.
ويتيح هذا النهج للشركة استعمال مكونات جاهزة، وسلاسل توريد قائمة، ووقود اليورانيوم منخفض التخصيب (LEU) المتوفر بسهولة.
ونتيجة لذلك، تُقدّر الشركة أن نموذجها يُمكن أن يخفض تكاليف المشروع بنسبة تصل إلى 80% مقارنةً بمحطات الطاقة النووية التقليدية، ويُقلّص مدة الإنشاء إلى 6 أشهر من بدء الحفر إلى التشغيل.
وتستهدف "ديب فيشن" تكلفة مُستوية للكهرباء (LCOE) تتراوح بين 50 و70 دولارًا لكل ميغاواط/ساعة.
موضوعات متعلقة..
- ابتكار جديد لبناء مفاعل نووي تحت الأرض.. اقتصادي وأكثر أمانًا
- تصميم مفاعل نووي سريع بقدرة 44 ميغاواط.. ابتكار أميركي
- كشف مفاعل نووي متطور ينتج 1.2 غيغاواط من الكهرباء
اقرأ أيضًا..
- خطوط أنابيب النفط بين الخليج ودول المشرق.. أبرز المحطات التاريخية والتحديات
- أكثر 10 دول عربية امتلاكًا لاحتياطيات الغاز في 2025 (إنفوغرافيك)
- التوسع في إنتاج الهيدروجين الطبيعي تجاريًا لن يتحقق قبل 2030 (تقرير)
- أفضل السيارات الكهربائية المرتقبة في 2026.. المواصفات والأسعار
المصادر:
- تطورات أول مفاعل نووي تحت الأرض، من منصة "كيه سي يو آر"
- اختيار اسم المفاعل النووي تحت الأرض، من موقع شركة "ديب فيشن"
- وضع حجر الأساس لأول مفاعل نووي تحت الأرض، من موقع شركة "ديب فيشن"





