قمة المناخ كوب 30.. كيف أصبح المشهد أسطوريًا بـ"أقرباء موانا"؟ (مقال)
حياة حسين

وجوه مطلية وأزياء غريبة ومتنوعة تبدو كما لو كانت قد خرجت من كتب الأساطير، أو من فيلم سينمائي يحكي قصة أشخاص خياليين، مشهد سيطر على عدسات "الكاميرات" وعناوين الصحف العالمية في قمة المناخ كوب 30، التي اختتمت أعمالها في مدينة بيليم الواقعة في غابات الامازون البرازيلية، الأسبوع الماضي (في 22 نوفمبر/تشرين الثاني 2025).
يذكّرني هذا المشهد بالفتاة موانا أو أقربائها في فيلم ديزني؛ الذي يحمل الاسم نفسه، ويُعرَف أيضًا بـ (مغامرة المحيط)، تلك الفتاه التي أنقذت قبيلتها بإعادة قلب البيئة الذي انتزعه المخرّبون، ما حوّلها إلى كائن شرير يقتل الأسماك في المحيط، ويتلف ثمرات جوز الهند في الجزيرة التي يعيشون على أرضها، في إشارة إلى الكوارث الطبيعية الناجمة عن تغير المناخ.
فيلم ديزني لم يكن خياليًا تمامًا، فموانا التي تُمثّل الشعوب الأصلية، أنصفتها كثير من الدراسات، التي أكدت أن تلك الشعوب يمكن أن يكون لها دور جوهري في محاربة تغير المناخ وخفض الانبعاثات.
كما خَلُص العديد من الدراسات إلى أن الأشجار والنباتات المحلية تستطيع أن تؤدي دورًا شديد الأهمية في التكيف مع تغير المناخ، نظرًا لقدرتها الفائقة على العيش في ظل المناخات القاسية والتربة المُنهَكة.
لهذه الأسباب، جعل حضور الشعوب الأصلية اللافت قمة المناخ كوب 30 استثنائية، فبسببهم تَحقَّق نصر استثنائي للمناخ، حتى إن لم يلحظه الكثيرون، ولم يدركه غالبية الناس، كون تلك الشعوب دائمًا بعيدة عن الأضواء، لكنهم أجبروا الأضواء على القدوم إليهم في هذه القمة.
فقد كانت مشاركة الشعوب الأصلية في قمة المناخ كوب 30 الأكبر في تاريخ قمم المناخ، كما كان وجودهم صاخبًا بالاحتجاجات التي وصلت إلى حدّ الاشتباك مع الأمن في حدث غريب بمثل هذه القمم أيضًا.
حضور أسطوري في قمة المناخ كوب 30 يلفت الانتباه
لم يسلّط الحضور الأسطوري للشعوب الأصلية في القمة، والمكاسب التاريخية التي حصلوا عليها لأول مرة منذ عقود، على دورهم المؤكد في مكافحة تغير المناخ فحسب، ولكنه لفت انتباه الكثيرين -وأنا منهم- إلى أن مكافحة تغير المناخ لا تطلب بالضرورة محاربة طواحين الهواء.
محاربة طواحين الهواء تلك –من وجهة نظري- تتمثل في الدخول في معارك لن تُحسَم أبدًا، مثل السعي إلى التخلص من الوقود الأحفوري، فهذا لن يحدث ما دام سكان الأرض يحتاجون إلى التدفئة وطهي الطعام وتشغيل المصانع، هذا بعيدًا عن حرّاسه من أصحاب المصالح في القطاع.
والأمر بالنسبة للتمويل لن يختلف، بل قد يكون أصعب، فبعد مرور 10 سنوات من اتفاقية باريس للمناخ، التي حددت تمويلًا سنويًا بقيمة 100 مليار دولار، بإجمالي تريليون دولار منذ هذا الوقت، لم يُنفَق إلّا بضعة مليارات منها، لن يفيد أيّ استجداء الدعم.
ولن تدفع الدول الغنية أموالًا "مجانية" للدول النامية للمكافحة أو التكيف، متحججةً بذرائع متعددة، حتى إن كانت ترديد عبارات طنّانة لا تعني شيئًا حقيقيًا، مثلما قالته مندوبة ألمانيا عن صندوق الغابات الاستوائية (أداة تمويل استثمارية تدرّ عائدًا على المساهمين فيه)، خلال قمة المناخ كوب 30، بأنه "إعادة بناء للاستعمار الجديد".

تعهُّد تاريخي
حصلت الشعوب الأصلية في قمة المناخ كوب 30 على تعهُّد تاريخي من الدولة بالاعتراف بحقوق حيازة الأراضي على أكثر من 395 مليون فدان في الدول التي تحتوي على الغابات الاستوائية، بما في ذلك البرازيل وكولومبيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية، عام 2030.
ومن هذه المساحة، التي تعادل مساحة دولة مثل إيران، 156 مليون فدان من أراضي الشعوب الأصلية للحماية والإدارة وملكية الأراضي في البرازيل بمفردها (40% من مساحتها غابات مطيرة)، التي أعلنت ترسيم حدود 10 أقاليم للشعوب الأصلية، تشمل شعوبًا ومناطق أحيائية ومناطق متنوعة.
ووقّع الرئيس لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، اليساري الخطيب ذي "اللسان الفضي" أيضًا، مراسيم لـ 28 كويلومبو -مجتمعات ريفية برازيلية من أصل أفريقي- في 14 ولاية برازيلية، تعترف بها بوصفها مناطق ذات أهمية اجتماعية، ما يمهّد لتسجيل ملكيتها.
جاءت تلك القرارات بعد أن أظهر تحليل أن تحديد الغابات العامة بوصفها وحدات حفظ أو أراضٍ للشعوب الأصلية، يمكن أن يمنع ما يصل إلى 20% من إزالة الغابات الإضافية، ويُقلل انبعاثات الكربون بنسبة 26% بحلول عام 2030.
كما تعهدت القمة بمبلغ 1.8 مليار دولار لتعزيز إدارة النظم البيئية الأرضية، بما في ذلك الغابات، صراحةً، على الشعوب ذات الأصول الأفريقية والنساء والشباب.
الاعتراف الأول في نصوص القمة بدور الشعوب الأصلية
اعترفت قمة المناخ -لأول مرة- بدور الشعوب الأصلية ومشاركتهم في 4 نصوص مسودات تتعلق بالصفقة الرامية إلى التعبئة الجماعية ضد تغير المناخ، والتكيف مع المناخ، والتحول العادل في مجال الطاقة، وخطة عمل بشأن النوع الاجتماعي.
إنصاف الشعوب الأصلية قد يسهم أيضًا في إحياء النباتات والأشجار المحلية القادرة على تحمُّل ظروف المناخ القاسية، والتربة الفقيرة، ما قد يعزز من قدرات سكان مناطق عديدة على التكيف مع آثار الكوارث الناجمة عن تغير المناخ، وفق دراسات عديدة.
وعلى سبيل المثال، العام الماضي، خلصت دراسة إلى أن هناك 99 من النباتات البرية الصالحة للتناول البشري، إضافة إلى 9 أنواع من الفطر من 38 عائلة في جبال الهيمالايا الغربية في كشمير، ووجدت أن النساء لديهنّ معرفة أكبر بهذه النباتات، ومدى قدرتها على العيش في ظروف المناخ القاسية، والعمل على زراعتها يعزز الأمن الغذائي في ظل تغير المناخ.
كما أصدرت منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) بالتعاون مع منتدى البحوث الزراعية في أفريقيا، كُتيّبين، الأول بعنوان "إدماج أغذية أفريقيا المنسية من أجل تغذية أفضل"، والثاني لمجموعة الأغذية المنسية في أفريقيا، تضم 100 نوع من النباتات المحلية، تتّسم بقدرتها على تحمُّل الطقس القاسي والتربة الفقيرة.
ومن هذه النباتات حبوب الفونيو، وهي عالية القيمة الغذائية تُزرع منذ أمد بعيد في جميع بلدان غرب أفريقيا من السنغال إلى تشاد، وتتميز الفونيو البيضاء بقدرتها على الإنبات والإنتاج في التربة الفقيرة ونموها السريع، ويتنوع استعمال تلك الحبوب من الطهي إلى طحنها وصناعة الخبز منها.

* حياة حسين- صحفية مصرية متخصصة في قضايا الاقتصاد والمناخ.
* هذا المقال يمثّل رأي الكاتبة، ولا يعبّر بالضرورة عن رأي منصة الطاقة.
موضوعات متعلقة..
- بعد كوب 30.. بتروبراس البرازيلية تخفض عدد الآبار بمنطقة حرجة بيئيًا
- قمة المناخ كوب 30.. الوقود الأحفوري وحريق الأمازون يُعطّلان "الختام"
اقرأ أيضًا..
- أويل إنديا الهندية تبدأ حفر أول بئر في خطة توسيع الاستكشافات البحرية
- تعليق عمل خط أنابيب بحر قزوين بعد هجوم بمسيرات أوكرانية





