التنقل بوقود الهيدروجين يتراجع في أوروبا.. عدا إسبانيا (تقرير)
نوار صبح
يشهد التنقل بوقود الهيدروجين تراجعًا في دول أوروبا باستثناء إسبانيا، بعد أن اتخذت المفوضية الأوروبية -بقرارها الأخير بشأن تمويل البنية التحتية للوقود البديل- منعطفًا غريبًا، أثّر في فرص الاستثمار وتشغيل المحطات.
نظريًا، وافق التكتل على دعم 38 محطة جديدة للتزود بالهيدروجين منتشرة في جميع أنحاء القارة. عمليًا، جميعها تقريبًا ستُقام في دولة واحدة، وحصلت إسبانيا على ما يقرب من 4 محطات من أصل 5 في هذه الجولة، وفق تفاصيل اطّلعت عليها منصة الطاقة المتخصصة.
وهذا يضع إسبانيا في صميم عملية بناء بنية تحتية لوقود الهيدروجين تسير في الاتجاه المعاكس لبقية أوروبا؛ إذ تتقلص شبكة الهيدروجين في القارة مع إغلاق المحطات وانسحاب المشغّلين، ورغم ذلك تُسرّع إسبانيا من التزامها كما لو أن مؤشرات السوق لا تعنيها.
ويُعدّ حجم موافقة الاتحاد الأوروبي على التمويل كبيرًا، مع التزام بأكثر من 600 مليون يورو (691.62 مليون دولار) عبر مجموعة واسعة من المشروعات التي تعزز جهود إزالة الكربون من قطاع النقل في أوروبا.
ممرات الشحن عالية القدرة
تلقّت ممرّات الشحن عالية القدرة للشاحنات، والكهرباء الساحلية للمواني الرئيسة، وكهربة المطارات، وترقيات البنية التحتية لسكك حديد الشحن، دعمًا ملحوظًا.
(اليورو = 1.15 دولارًا أميركيًا)
وتعكس هذه المشروعات تقنيات ناضجة ذات تأثيرات انبعاثات واضحة وقيمة تشغيلية قوية.
ضمن هذه الحزمة يوجد مخصصات لمحطات إعادة التزويد بوقود الهيدروجين.
يشير تقييم الفئة المرجعية لمشروعات محطات وقود الهيدروجين الأوروبية الكبيرة الأخيرة إلى استثمار ضمني يتراوح بين 170 و190 مليون يورو تقريبًا للمواقع الـ38 المعتمدة حديثًا، مع تقدير مركزي يقارب 180 مليون يورو.
وقد يوفر الاتحاد الأوروبي كل ذلك، أو يدفع ثمن المعدّات نفسها فقط، ما يقلل مساهمته إلى 115 إلى 135 يورو، حسب تحديثات تابعتها منصة الطاقة المتخصصة.
ويبرز هذا الحجم من الإنفاق على التنقل بوقود الهيدروجين داخل مجموعة من الاستثمارات المتوافقة جيدًا.

قصة التنقل بوقود الهيدروجين
في جميع أنحاء أوروبا، أصبحت قصة التنقل بوقود الهيدروجين دراسة حالة متراجعة.
فقد أغلقت النمسا محطاتها العامة المتبقية عندما انسحبت شركة "أوه إم في" (OMV) من هذا القطاع.
وظلّت ألمانيا تغلق المحطات بوتيرة منتظمة بعد أن أدى انخفاض معدل التنقل إلى استحالة استدامة الشبكة، وفقدت الدنمارك والنرويج محطات.
في المملكة المتحدة، انهارت الشبكة الصغيرة التي كانت تَعِد في السابق بنمو سريع إلى حدّ كبير.
حتى في فرنسا، حيث جربت بعض المدن عمليات النشر المبكرة، لم يتبقَّ سوى عدد محدود من المحطات قيد التشغيل، ومعظمها يعتمد على دعم البلديات المباشر.
وبلغ عدد المحطات العامة في القارة بأكملها ذروته عند نحو 179 محطة، وهو آخذ في الانخفاض منذ ذلك الحين.
وتُعدّ العديد من المحطات المتبقية مُعطلة لفترات طويلة، أو تعمل بمعدل نقل منخفض للغاية.
تجدر الإشارة إلى أن هذه الإغلاقات لا تتعلق بانتكاسات مؤقتة، بل تكشف مشكلات هيكلية عجز المشغّلون عن حلّها.
ولا تستطيع المحطات التي تخدم عددًا قليلًا من المركبات تغطية تكاليف الصيانة والكهرباء والموظفين وقطع الغيار وإمدادات الهيدروجين.
ويعتمد الاقتصاد على معدل نقل مرتفع، ومع ذلك لم تصل المركبات بأعداد كبيرة.
ويتكرر هذا النمط في مختلف السياقات الوطنية، ما يشير إلى أن المشكلة لا تتعلق بالشروط التنظيمية أو ثقافة الأعمال المحلية.
الهيدروجين المخصص للنقل البري
لم يجد الهيدروجين المخصص للنقل البري نموذجًا اقتصاديًا قابلًا للتطبيق على نطاق واسع.
وإذا كان الهدف هو توفير وقود تنافسي من حيث التكلفة وموثوق، فقد أظهرت شبكة أوروبا أن محطات الهيدروجين تكافح لتلبية أيٍّ من الشرطين.
ويعزز الوضع العالمي هذا الاتجاه؛ فقد شهدت الصين -التي كانت في السابق رائدة في مجال شاحنات وحافلات الهيدروجين- انخفاضًا في مبيعات مركبات الهيدروجين الثقيلة بنحو 45% في الأشهر الـ9 الأولى من العام، وفي المدة نفسها، شهدت الشاحنات الكهربائية التي تعمل بالبطاريات ارتفاعًا حادًا.
وتشير اتجاهات شراء الحافلات في أوروبا نفسها إلى الاتجاه نفسه، وكان 97% من الحافلات منخفضة الانبعاثات التي سُلِّمَت في عام 2024 تعمل بالبطاريات الكهربائية، وتُحقق أميركا الشمالية نتائج مماثلة.
من ناحية ثانية، تتقلص شبكة محطات الهيدروجين للمركبات الخفيفة في كاليفورنيا.
وحتى في اليابان -وهي دولة ذات دعم طويل الأمد للتنقل بالهيدروجين- ما يزال الاستعمال منخفضًا، وكان استعمال المحطات مخيّبًا للآمال.
والدولة الوحيدة التي ما تزال تسعى إلى نشر التنقل بالهيدروجين على نطاق واسع هي كوريا الجنوبية، وحتى هناك، ما تزال الأوضاع الاقتصادية صعبة، ولا تدعمها سوى سياسات الصناعات الثقيلة.
حافلات تعمل بخلايا وقود الهيدروجين
قصة الحافلات الأوروبية مُفعمة بالدلالات، فقد اشترت 3 دول أوروبية فقط حافلات تعمل بخلايا وقود الهيدروجين في عام 2024: ألمانيا وبولندا وإسبانيا.
ويُعدّ التعاون الألماني الجماعي بشأن موضوع الهيدروجين مُوثّقًا جيدًا، ويُفسّر إهدارهم المستمر لأموال دافعي الضرائب على التنقل بالهيدروجين.
ويمكن تفسير حماسة بولندا غير المبررة بشركة تصنيع الحافلات سولاريس (Solaris)، المُكرّسة للهيدروجين حتى إنها مثّلت نحو 20% من 1500 حافلة من أنواع مختلفة شحنتْها في عام 2024.
ولا تُعدّ بولندا رائدة في الحافلات التي تعمل بالبطاريات الكهربائية، حيث شحنت 460 فقط من أصل 7779 حافلة مُسجلة في عام 2024، وهي الرابعة في الترتيب، أو الحافلات عمومًا بحصّة سوقية قدرها 4.3% فقط.
رغم ذلك، فإن الأمر مهم في بولندا، لذلك اصطفّت المدن البولندية لشراء منتجاتها.
وبعد ذلك، وجدت 22 مدينة بولندية، بعد التزامها بحافلات الهيدروجين، أن الهيدروجين أغلى بكثير مما جرى إيهامهم به، لذا كتبت رسالة مشتركة إلى الحكومة الوطنية تتوسل فيها للحصول على دعم الوقود.

مزايا التنقل بوقود الهيدروجين
تشير التقييمات الأخيرة من كل من المدققين والاقتصاديين إلى الاتجاه نفسه بشأن التنقل بوقود الهيدروجين، فقد وجدت محكمة المدققين الفرنسية أن استعمال هيدروجين المحللات الكهربائية للتنقل يتجنّب انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بتكلفة تبلغ نحو 520 يورو للطن، وتنخفض فقط إلى نحو 400 يورو للطن حتى بعد احتساب الدعم غير المباشر، ما يجعله أحد أغلى مسارات إزالة الكربون المتاحة.
بدورها، خلصت الهيئات الاستشارية الاقتصادية الفرنسية الألمانية المشتركة إلى أن الشاحنات الكهربائية التي تعمل بالبطاريات هي الخيار الأكثر نضجًا وكفاءة في استعمال الطاقة للنقل البري، في حين تستهلك شاحنات الهيدروجين طاقة أولية أكبر بكثير وتظل هامشية تجاريًا.
وتتمثل توصيتهم في إعطاء الأولوية للاستثمار العام في شبكات الشحن عالية القدرة للشاحنات الكهربائية وتجنّب الدعم المعمم للهيدروجين في الشحن.
وتؤكد هذه النتائج مجتمعةً أن التنقل بوقود الهيدروجين في أوروبا يمثّل إستراتيجية عالية التكلفة ومنخفضة التأثير مقارنةً بالبديل الكهربائي الذي بدأ يتوسع على نطاق واسع، حاليًا.
البنية التحتية للهيدروجين في إسبانيا
في ظل هذه الخلفية، يبرز التوسع السريع للبنية التحتية للهيدروجين في إسبانيا.
ويمثّل برنامج "أكتيفا 2" (ACTIVA II) وحده 30 من المحطات الجديدة الممولة في هذه الجولة، وتضيف مشروعات إضافية في مدينة فالنسيا وعلى طول ممرات محددة المزيد من المحطات.
وقد طلبت إسبانيا حافلات هيدروجينية، وموّلت مسارات تجريبية، وكلّفت بتجارب لشاحنات صغيرة.
وتتضمن خطة الهيدروجين التفصيلية في البلاد أهدافًا طموحة في مجال أجهزة التحليل الكهربائي.
ويتشارك مخططو الطاقة الوطنيون والحكومات الإقليمية في رؤية تضع إسبانيا قوةً مستقبلية في مجال الهيدروجين، مدعومةً بموارد وفيرة من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، ومدعومة بخطط خطوط أنابيب ناشئة مع فرنسا والبرتغال؛ ويُعدّ اقتراح ممر "إتش 2 ميد" (H2Med) جزءًا من هذه الرؤية.
وتتمثل حجة إسبانيا في أن التنقل بوقود الهيدروجين يُسهم في ترسيخ صناعة هيدروجين أوسع نطاقًا.
من ناحيتها، تُولّد الحافلات والشاحنات طلبًا محليًا، ما يُساعد مطوري أجهزة التحليل الكهربائي على ضمان مشترين، حيث تربط ممرات البنية التحتية الإنتاج بالاستهلاك.
وتدعم طموحات التصدير التصنيع المحلي وتجذب الاستثمارات إلى شركات سلسلة التوريد.
وتكمن المشكلة في أن هذه الرؤية صيغت قبل عدّة سنوات، عندما توقّع محللون متحمسون للغاية أن يؤدي الهيدروجين دورًا كبيرًا في التنقل والتدفئة وتخزين الكهرباء.
منذ ذلك الحين، تطورت تقنيات البطاريات الكهربائية بوتيرة أسرع مما توقّعه أصحاب المصلحة، وقضت المضخات الحرارية على أيّ إمكانات سوقية محتملة للتدفئة.
ولم يعد الهيدروجين يُستعمل في تخزين الكهرباء عبر الشبكة؛ إذ تتجاوز الآن شاحنات البطاريات الثقيلة مدى 500 كيلومتر، وتُنشَر أنظمة شحن بقوة ميغاواط.
وتهيمن الحافلات الكهربائية على السوق، وقد حوّل المصنّعون اهتمامهم الهندسي والتجاري وفقًا لذلك.
إستراتيجية إسبانيا
تستمر إستراتيجية إسبانيا كما لو أن تلك التطورات لم تحدث، إذ تبني البلاد عشرات المحطات المصممة لتزويد المركبات بالوقود التي تخلّت عنها السوق حاليًا.
في المقابل، لا يوجد ممر شحن هيدروجيني متنامٍ على مستوى أوروبا من شأنه أن يدفع باتجاه اعتماد شاحنات الهيدروجين على نطاق واسع.
ولا يوجد توسُّع سريع بتصنيع مركبات الهيدروجين في أوروبا.
رغم ذلك، تبني إسبانيا بُنية تحتية للطلب في ظل غياب زخم الطلب؛ وهنا يتضح الخلل الإستراتيجي، وتتراجع بقية أوروبا عن التنقل بوقود الهيدروجين لأن البيانات تدعم هذا القرار، بينما تتسارع إسبانيا بفضل الالتزامات المؤسسية التي تشكلت سابقًا.
وهذا يخلق عدّة مخاطر، أوّلها: البنية التحتية المتعثرة، إذ تُعدّ محطات الهيدروجين مكلفة البناء والتشغيل، وإذا ظلّ الإنتاج منخفضًا، فإنها تُثقل كاهل الموازنات الإقليمية والشركات المدعومة من الدولة.
ثانيها: سوء توزيع الدعم، إذ تُعدّ الأموال المخصصة لمحطات الهيدروجين للحافلات والشاحنات غير متاحة لشبكات الشحن التي تدعم التقنيات التي اختارتها السوق.
ثالثها: هشاشة ممرات التصدير، لأن خطوط الأنابيب وطرق الشحن تكون منطقية اقتصاديًا عندما تكون الأحجام متوقعة.
وفي غياب الطلب القوي على الهيدروجين في شمال أوروبا، فإن البنية التحتية للتصدير على نطاق واسع معرّضة لخطر عدم الاستفادة الكاملة منها.
القطاع الخاطئ من سلسلة قيمة الهيدروجين
هناك خطرٌ يتمثل في أن الشركات الإسبانية تُركّز جهودها على القطاع الخاطئ من سلسلة قيمة الهيدروجين. وتُمثّل تطبيقات النقل الجزء الأصغر والأكثر هشاشةً في نظام الهيدروجين الناشئ، أمّا القطاعات الأقوى فتشمل المواد الخام الصناعية المُصنّعة من الهيدروجين.
وتُعدّ الأمونيا والميثانول من أبرز الأمثلة على ذلك، فهما أسهل في النقل والتخزين من الهيدروجين الغازي، وهما يخدمان أسواقًا عالمية قائمة حاليًا، ويتميّزان بطلبٍ متوقع، ولا تمتلك الأمونيا تحديدًا مساراتٍ واضحةً للكتلة الحيوية لتصنيعه.
ويُواجه الميثانول المُصنّع خطرًا من الميثانول الحيوي، ولكن من الممكن أن تجعله اقتصادات إسبانيا أكثر تنافسيةً.
وتُعدّ تكاليف مناولة السلع الأساسية أقل، وسلاسل توريدها ناضجة.
ويمكن لإسبانيا إنتاج الهيدروجين لتصنيع هذه المنتجات الوسيطة محليًا، وشحنها عبر المواني والبنية التحتية الحالية للنقل.
وتُعدّ هذه إستراتيجيةً صناعيةً أكثر ديمومةً من محاولة ترسيخ قطاع الهيدروجين بالحافلات والشاحنات.
ومن شأن اتّباع نهجٍ أكثر تماسكًا أن يُحوّل الهيدروجين بعيدًا عن قطاع النقل، نحو هذه المنتجات الصناعية الأولية.
طموحاتٍ طويلة الأمد في مجال الهيدروجين
ما يزال بإمكان إسبانيا السعي لتحقيق طموحاتٍ طويلة الأمد في مجال الهيدروجين، دون محاولة إجبار الهيدروجين على دخول قطاعات النقل التي لم تعد تدعم الاقتصاد.
وستشكّل الشاحنات والحافلات التي تعمل بالبطاريات الكهربائية ركيزة الأساطيل الأوروبية.
ولن تستفيد إسبانيا شيئًا من مقاومة هذا التوجه، بل ستستفيد أكثر من مواكبته.
ويمكن إعادة توظيف البنية التحتية للهيدروجين التي مُوِّلَت لدعم أساطيل مناولة المواد، أو مشروعات الأبحاث التجريبية، أو عمليات الشراء الصناعية الصغيرة.
إزاء ذلك، ينبغي أن تتجه الشريحة التالية من الاستثمار نحو إنتاج الأمونيا والميثانول، حيث تكون الفيزياء والاقتصاد أقوى.
وتمتلك إسبانيا المكونات اللازمة لقطاع هيدروجين قوي، ولديها موارد طاقة متجددة، وقدرة على النقل، ومواهب هندسية، وبنية تحتية للمواني.
ولا تحتاج البلاد إلى تنقُّل الهيدروجين لجعل بقية هذا النظام قابلة للاستمرار.
وتقف إسبانيا عند نقطة يمكن فيها تصحيح المسار، ويعني القيام بذلك قبول حقيقة أن التنقل بوقود الهيدروجين لم ينجح في أوروبا، وتحديث الإستراتيجية لتتناسب مع واقع تبنّي السوق والتقدم التكنولوجي.
موضوعات متعلقة..
- حوادث محطات وقود الهيدروجين.. دراسة تطلق تحذيرًا صارخًا
- تشغيل السفن بوقود الهيدروجين يتطور بتقنية جديدة
- عدد محطات وقود الهيدروجين يرتفع عالميًا 15%.. وهذه خرائط الانتشار (تقرير)
اقرأ أيضًا..
- إنتاج الكهرباء في كاليفورنيا يرتفع 8%.. الطاقة الشمسية تقلص دور الغاز
- إيرادات صادرات النفط السعودي في سبتمبر 2025 ترتفع 10.7%
- الوصول إلى الكهرباء في الدول العربية يقفز إلى 97%.. وتحسّن لافت بالسودان وليبيا
المصدر..





