مقالات الطاقة النوويةالمقالاتسلايدر الرئيسيةطاقة نووية

مستقبل الطاقة النووية في ظل أزمة الطاقة عالميًا (مقال)

أحمد الطالب محمد*

اقرأ في هذا المقال

  • يبلغ عدد المفاعلات النووية في العالم اليوم نحو 444 مفاعلًا
  • اليابان من أوائل الدول التي تحركت نحو التخلّي عن خيار الطاقة النووية
  • الطاقة النووية ثاني أكبر مصدر للطاقة الخالية من الكربون في العالم
  • فرنسا تمثّل قطب الدفاع عن الطاقة النووية، وتدعمها بشكل صريح 12 دولة

الطاقة النووية هي طاقة رخيصة لا تنتج الغازات التي تسبّب الاحتباس الحراري، ولكنها ما زالت محدودة الانتشار، ففي سنة 2020 بلغ الإنتاج العالمي من الكهرباء ما يقارب 27،000 تيراواط ساعة، وكانت نسبة إنتاج محطات الطاقة النووية منه نحو 2،500 تيراواط/ ساعة، ومن ثم فإن الطاقة النووية تمثّل أقلّ بقليل من 10% من الإنتاج العالمي.

ويبلغ عدد المفاعلات النووية اليوم 444 مفاعلًا، أو يزيد قليلًا، وتتباين الدول في استخدام هذه الطاقة في مزيجها الطاقي من دول تعتمد بكثافة على هذه الطاقة، مثل فرنسا التي يبلغ إنتاجها الكهربائي من الطاقة النووية نحو 71% إلى دول لا تنتج كيلوواط واحد عبر الطاقة النووية البتة.

وحتى وقت قريب، كانت نظرة العالم للطاقة النووية نظرة قاتمة، خاصة بعد حادثة فوكوشيما التي جعلت العالم يأخذ موقفًا معاديًا من الطاقة النووية.

وكان وقوع حادثة فوكوشيما أمرًا جعل اليابان تتحرك بسرعة وبحزم ضد الطاقة النووية حين أوقفت -تقريبًا- جميع مفاعلاتها النووية الـ50، ومنذ ذلك الحين لم تستأنف سوى 9 مفاعلات عملياتها.

بعد اليابان، تحركت العديد من الدول نحو التخلي عن خيار الطاقة النووية، وأبرز هذه الدول هي ألمانيا التي قررت التخلص التدريجي من الطاقة النووية.

وفي المنطقة الأوروبية، ما تزال دول -مثل إسبانيا وإيطاليا- غير معنية بالمضي قدمًا نحو هذه الطاقة، إذ ألغت خططًا لإضافة محطات نووية جديدة.

أمّا في الولايات المتحدة، فقد بلغ عدد المفاعلات النووية ذروته بأكثر من 100 مفاعل في عام 2012، ومنذ ذلك الحين أُغلِق 12 مفاعلًا، في حين أُضيفَ مفاعل واحد فقط.

ومن بين الأمور المسبّبة لهذا التراجع هو انخفاض سعر الغاز الطبيعي الذي أطلقته ثورة الصخر الزيتي والانخفاض الكبير في التكلفة بطاقة الرياح والطاقة الشمسية؛ ما جعل من الطاقة النووية بديلًا غير تنافسي.

ومما زاد الطين بلة، أنه في الوقت نفسه تضخّمت تكلفة مشاريع بناء محطات الطاقة النووية في الولايات المتحدة، كما شهدت تمددًا في الزمن المخصص لبنائها.

ومن الأمثلة على ذلك مفاعلان يُبنَيان في جورجيا، من المتوقع اليوم أن تبلغ تكلفة كل منهما ضعف التكلفة المقررة، وأن يستغرق استكمالهما أكثر من ضعف المدة المقدّرة في الأصل، حتى إن بعض هذه المفاعلات قد ألغيت تمامًا، على غرار المفاعلين قيد الإنشاء الذين أُلغِيا في ساوث كارولينا في عام 2017، بعد إنفاق 9 مليارات دولار من طرف مستثمرين دون الحصول على أيّ شيء مقابل هذه الأموال التي تبدّدت.

أحد مشروعات الطاقة النووية
أحد مشروعات الطاقة النووية - أرشيفية

الأمل الجديد في الطاقة النووية

في الحقيقة، الطاقة النووية هي ثاني أكبر مصدر للطاقة الخالية من الكربون في العالم اليوم بعد الطاقة الكهرومائية.

وفي خريطة الطريق لتحقيق الحياد الكربوني بحلول عام 2050، تتوقع الوكالة الدولية للطاقة أن توليد الطاقة النووية على مستوى العالم سيتضاعف تقريبًا.

وتوصلت إلى أن العالم يحتاج بناء 100 محطة نووية جديدة بحلول عام 2030، أي بعد ثماني سنوات من الآن. كما توقعت إحدى الدراسات في الصين أن البلاد تحتاج مضاعفة توليد الطاقة النووية 5 مرات تقريبًا لكي تحقق الحياد الكربوني في أفق 2060، و هو الهدف الذي التزمت به مسبقًا.

وهذا يتماشى مع تحذيرات وكالة الطاقة الدولية التي صرّحت في عام 2019 أنه في حال عدم وجود أيّ استثمار إضافي في تمديد عمر المفاعلات النووية أو إنشاء مشروعات نووية جديدة، فإن الوقود الأحفوري (خاصة الغاز الطبيعي) سيشكّل الجزء الأكبر من الزيادة في توليد الكهرباء لتعويض الانخفاض في الطاقة النووية، وذلك سيجعل فاتورة الطاقة أكثر تكلفة. وأوضحت وكالة الطاقة الدولية أنه "دون الاستثمار في الطاقة النووية، سيكون تحقيق نظام طاقة مستدام أكثر صعوبة".

من جهة أخرى، يعتقد العديد من الخبراء أن مستقبل الطاقة النووية سيكون أكثر إشراقًا في ظل التقدم التقني الذي يقلل التكاليف والهدر، والذي يعتمد على نظم السلامة الأكثر صرامة.

فعلى سبيل المثال، شركات مثل NuScale Power وTerraPower وX-Energy وGE وKairos Power وغيرها هي شركات رائدة في تصميم المفاعلات المتقدمة التي تضمن قدرًا أكبر من السلامة المتأصلة، ويمكن أن تنتج طاقة بتكلفة أقلّ من أجيال المفاعلات السابقة.

فمثلًا، تستخدم تصميمات المفاعلات المتقدمة الحديثة، المبردات مثل الهيليوم والملح المصهور والصوديوم، التي توفر مزايا أمان و سلامة أكبر مقارنة بالمفاعلات التقليدية التي تستخدم الماء مُبرّدًا، بالإضافة إلى أشكال الوقود الأكثر قوة.

من جهة أخرى، فإن الكلفة المنخفضة للطاقة النووية ستكون حاسمة في اختيار هذه الطاقة مقارنة ببعض مثيلاتها، فالكيلوواط الواحد من الطاقة النووية يمثّل استثمارًا بنحو 3000 يورو لأحدث مفاعلات الجيل (EPR)، أي أقلّ بـ3 مرات من توليفة من توربينات الرياح البرية مع الغاز دون احتساب تكلفة انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، وهو -أيضًا- أقلّ 20 مرة من الخلايا الكهروضوئية.

ومن حيث المنافسة، لا يوجد غير الفحم، وهو القادر على المنافسة من حيث الاستثمار الأولي، لكن مكوّن الوقود أكبر بكثير من مكونات الوقود النووي، إذ يمثّل تكلفة الوقود (اليورانيوم) 2% فقط من سعر كيلوواط/ساعة.

الطاقة النووية في ألمانياالقطب الألماني أو قطب الممانعة في الاتحاد الأوروبي

قالت الحكومة الألمانية على لسان أحد أعضائها -مؤخرًا-، إنها تَعدّ الطاقة النووية خطيرة، واعترضت على مقترحات الاتحاد الأوروبي التي من شأنها أن تجعل تقنية الذرة جزءًا من خطط الاتحاد لمستقبل صديق للمناخ.

ومن المعلوم أن ألمانيا في طريقها لإغلاق محطات الطاقة النووية الـ3 المتبقية في نهاية هذا العام، والتخلص التدريجي من الفحم بحلول عام 2030، بينما تهدف جارتها فرنسا إلى تحديث المفاعلات الحالية وبناء مفاعلات جديدة لتلبية احتياجاتها المستقبلية من الطاقة، في نقض لسياسة الحليف الألماني.

إن خطط برلين واضحة و صريحة، فهي تخطط للاعتماد -بشكل كبير- على الغاز الطبيعي حتى يمكن استبدال مصادر غير ملوثة للطاقة به، و قد أوضح الناطق الرسمي للحكومة الألمانية أن هدف حكومته هو استخدام الغاز الطبيعي فقط "تقنية عبور" واستبدال بدائل غير ملوثة مثل الهيدروجين المنتج بالطاقة المتجددة به، بحلول عام 2045، وهو الموعد النهائي الذي حددته الدولة لتصبح محايدة كربونيًا.

وقد أدت المسارات المتعارضة التي اتّخذها اثنان من أكبر اقتصادات الاتحاد الأوروبي إلى وضع حرج للّجنة التنفيذية للكتلة الأوروبية.

وبالعودة إلى تصريحات المتحدث باسم الحكومة الألمانية، ستيفن هيبيستريت، للصحفيين في برلين قبل أسبوعين، فإن إشكالية النفايات المشعة التي ستستمر لآلاف الأجيال لم تجد حلًا لحدّ الساعة، ويجب معرفة ما يجب فعله حيالها قبل المضي قدمًا في الاعتماد على الطاقة النووية.

وأضاف هيبستريت أن ألمانيا "ترفض صراحة" تقييم الاتحاد الأوروبي للطاقة الذرّية، وقد صرّحت مرارًا وتكرارًا بهذا الموقف تجاه المفوضية، و أنها تَعدّ التقنية النووية خطيرة.

القطب الفرنسي المدافع عن النووي في الاتحاد الأوروبي

من الأول من يناير/كانون الثاني إلى الثلاثين من يونيو/حزيران، تترأّس فرنسا الاتحاد الأوروبي، وهي فرصة لها لحشد تأييد واسع لتمرير مشروع تصنيف الطاقة النووية طاقة نظيفة، ومفيدة للتحول الطاقي.

الطاقة النووية في فرنسا
مفاعل نووي في فرنسا (الصورة من cnbc)

وبالفعل، فقد أحالت المفوضية الأوروبية للتوّ إلى الدول الأعضاء الـ27 مشروع تصنيفها، والذي يعترف بكل من الغاز والطاقة النووية النووية طاقات "مفيدة للتحول البيئي" (وفق شروط معينة).

وأمام أعضاء الاتحاد الأوروبي الـ27 حتى يوم الجمعة المقبل للردّ على مشروع تصنيف (أو تسمية) الطاقات "الخضراء" في الاتحاد الأوروبي.

ويبدو أن الجانب الفرنسي الذي يمثّل قطب الدفاع عن الطاقة النووية تدعمه بشكل صريح 12 دولة، وقد بررت وزيرة التحول البيئي الفرنسية، باربرا بومبيلي، موقف بلادها بأن "الطاقة النووية منزوعة الكربون لا يمكن الاستغناء عنها في وقت يتعين به خفض الانبعاثات بسرعة كبيرة".

ويقف في الصف المناهض لاستخدام الذرة دول منها النمسا ولوكسمبورغ اللتان تخططان لاتخاذ إجراء قانوني ضد إدراج الطاقة النووية، الذي شجبته برلين -أيضًا- الذي تدافع عنه باريس، و يصرّ معارضو الذرة على "أنها ليست طاقة خضراء أو مستدامة"؛ بسبب التكلفة ومخاطر الحوادث، وأن "مسألة إدارة النفايات لم تُحَلّ"، و هذا ما أكده وزير البيئة الألماني ستيفان تيدو، قبل أسبوع.

*أحمد الطالب محمد - خبير الموارد المعدنية في موريتانيا

موضوعات متعلقة..

اقرأ أيضًا..

إشترك في النشرة البريدية ليصلك أهم أخبار الطاقة.
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق