رئيسيةعاجلمقالاتنفط

تحليل- أوبك+ أصبحت تسبق بخطوة في أسواق النفط

بعضهم كان يشكّك في دورها وقراراتها

مكرم فلتس

اقرأ في هذا المقال

  • بطلبك الدجاج المشوي أو اللحم المقدد فإنك تدعم الطلب على النفط
  • النفط يدخل في معظم مكونات الإنتاج بطريقة مباشرة وغير مباشرة
  • رد الفعل السعودي يضبط الأسعار ويوازن السوق

ما عليك -عزيزي القارئ- سوى أن تتخيّل أنّك مسؤول عن حقيبة الطاقة في دولة تعتمد على النفط بصفته مصدرًا رئيسًا للإيرادات، والأسعار تُتداول عند مستويات 50 دولارًا للبرميل، والجهود تُبذل لدعم الأسعار لتوازن الميزانيّة العامّة، وفجأة.. تهبط الأسعار لـ16.50 دولارًا للبرميل.

ربّما الإصابة بأزمة قلبية هنا، أو سكتة دماغية، أو على أقلّها جلطات دموية، ستكون نتيجة حتمية، لأنّك المسؤول الأوّل عن السياسة الطاقوية في بلادك، والثقة فيك كبيرة، لأن الدخل الرئيس للميزانية مرتبط -بشكل مباشر وغير مباشر- بقرارات تتّخذها أنت، غير أن المسؤولين الحقيقيّين لديهم من الشجاعة لمواجهة تلك الظروف الصعبة، والتغلّب على أصعب الأمراض بالإرادة والرؤية الفريدة.

عزيزي القارئ، أنت لست بعيدًا عمّا يدور في فلك أوبك وأسواق النفط، فأنت مساهم رئيس في نجاح أو فشل إنتاج أوبك والدول النفطية، حتّى لو لم تكون مسؤولًا عن حقيبة الطاقة في أيّ دولة، فبنزولك لعملك تدعم إنتاج المنظّمة، لأنّك تستخدم سيّارتك أو مركبات عامّة، هي -في الأساس- تستخدم الوقود للتحرّك، ممّا يزيد الطلب على الوقود والمحروقات التي تؤدّي إلى رفع الأسعار، ومن ثمّ استمرار صناعة النفط في الازدهار.

عزيزي القارئ، أنت لست بعيدًا عمّا يدور في فلك أوبك وأسواق النفط، فأنت مساهم رئيس في نجاح أو فشل إنتاج أوبك

استخداماتك الشخصية للسلع والخدمات، تدعم إنتاج أوبك، لأن النفط يدخل في معظم مكوّنات الإنتاج بطريقة مباشرة وغير مباشرة، فإذا لم يُستخدم النفط في صناعة الثلّاجات، فعلى الأقلّ، تُنقَل الثلّاجات بمركبات تستخدم الوقود، غير أن توليد الكهرباء في المصانع الكبرى يتطلّب دخول النفط بصفته مكوّنًا رئيسًا ضمن التكاليف النهائية.

وأنت تستخدم المطاعم أيضًا -عزيزي القارئ- لا تنسَ دخول النفط مكوّنًا غير مباشر على مائدة طعامك، لأنّك، بطلبك الدجاج المشوي أو اللحم المقدّد، فإنّك تدعم الطلب على النفط من خلال مركبات الشحن، التي ترفع أسعارها بالتبعيّة، بعد تحرّك أسعار الوقود بصفتها سببًا رئيسًا لقرارك.

القارئ والمتعامل في أسواق النفط، والمستثمرون الصغار والكبار، والمتعاملون -بطريقة مباشرة وغير مباشرة- بقطاع النفط، ولا مبالغة هنا أن نقول، العالم كلّه.. حتّى المتعاملون في الطاقة المتجدّدة الآن، يستخدمون النفط، على الأقلّ، في نقل أغراضهم “الخضراء”، أو هكذا يسمّونها.

إذن، ما سبق يوضّح أهمّية قرارات منظّمة أوبك والمسؤولين عن قطاع النفط حول العالم، في حياة كلّ منّا، بطريقة مباشرة وغير مباشرة، خاصّةً أن المنظّمة تأخذ في الاعتبار تحرّكات كلّ منا بصورة إحصائيات تُقدَّم لها مع كلّ اجتماع مقرّر لاتّخاذ القرار الصحيح، وظهر هذا جليًّا خلال أزمة كورونا التي أوضحت أن عدم نزولنا من المنازل، خفضَ الطلب على الوقود والمحروقات، فانخفضت الأسعار، وحينها، قرّرت الشركات العاملة في القطاع وقف توسّعاتها وخفض إنتاجها، مع عمليات تسريح للعمالة تُقدَّر بالآلاف.

غير أن كلّ هذا لا يمنع أن هناك مسؤولًا أوّل، قد يكون متأثّرًا بكلّ ما يحدث، لكنّه محرك أساس -أيضًا- لكلّ ما يحدث في أسواق النفط، عزيزي القارئ، هذا المسؤول الذي طلبتُ منكَ أن تتخيّل نفسك، وأنت ترى الأسعار تنهار خلال تولّيك حقيبة الطاقة في إحدى الدول النفطية، هو وزير الطاقة السعودي، الأمير عبد العزيز بن سلمان.

أوبك تأخذ في الاعتبار تحرّكات كلّ منّا في صورة إحصائيات تُقدَّم لها مع كلّ اجتماع مقرَّر لاتّخاذ القرار الصحيح

بداية القصّة

قلبت روسيا الطاولة على الجميع، وأنهت من جانبها اتّفاقًا حافظ كثيرًا على استقرار أسواق النفط، من خلال توزيع الحصص بين الدول، ومن ثمّ مستويات أسعار مقبولة لمعظم المنتجين، والأهمّ الإسهام في دعم الاقتصاد العالمي، واللافت في الأمر، أن القرار لقي معارضة شديدة من قادة صناعة النفط الروسيّة تجاه الموقف الرسمي الروسي.

غير أن مشكلات روسيّة داخلية، مثل رفض شركات النفط الروسيّة الكبرى ذات النفوذ، تخفيض إنتاج النفط من جانبها لصالح الشركات الأميركية ونفطها الصخري، كان مبرّرًا، غير مقبول، أو بالأحرى “غير عقلاني”، من جانب موسكو لرفض تعميق تخفيض إنتاج النفط في اجتماع أوبك+، الذي انتهى دون اتّفاق في 6 مارس /آذار الماضي.

وكانت أوبك المكوّنة من 13 عضوًا وشركاؤها العشرة الذين يشكّلون معًا “أوبك+”، مازالوا يرتبطون باتّفاق توصّلوا إليه عام 2017 لخفض الإنتاج طوعياً بـ1,2 مليون برميل يوميًا، جرى رفعه إلى 1,7 مليون برميل ديسمبر /كانون الأوّل الماضي، بالإضافة إلى خفض سعودي طوعي بـ400 ألف برميل يوميًا، حتّى آخر مارس /آذار الماضي.

من هنا بدأت القصّة، فبعد القرار الروسي، كان ردّ الفعل السعودي حاسمًا وحازمًا في أسواق النفط، فخفضت الأسعار وقتها!

ماذا؟ هل بالفعل خفضت السعودية الأسعار، وهي دولة نفطية بالأساس؟ نعم.. حدث بالفعل أن السعودية قرّرت التركيز على حصّتها السوقية، حتّى بتخفيض الأسعار، أسوة بروسيا وغيرها من الدول التي ركّزت على حصصها السوقية أيضًا، ما سمّي وقتها بـ”حرب أسعار”، حتّى إن شهر أبريل /نيسان الماضي، شهد أكثر تراجعات في الأسعار حدّةً في التاريخ، وبلغت 16.6 دولارًا للبرميل لخام غرب تكساس الوسيط في إحدى الجلسات، وفي 20 إبريل/نيسان تداولت عقود الخام الأميركي بالسالب، أي أن مشتري النفط وقتها كانوا يحصلون على ما يقرب من 40 دولارًا، مقابل شراء كلّ برميل نفط.

حتّى إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وقتها، ألمح إلى فرض رسوم حمائية على النفط الرخيص، لكنّه عاد وقرّر استغلاله في الاحتياطي الإستراتيجي.

كلّ هذا والسوق في حالة اندهاش وصدمة، اندهاش من انخفاض أسعار النفط، ومن ثمّ انخفاض الكلفة النهائية لمعظم المنتجات، الأمر الذي يسهّل الحياة عليك أنت شخصيًا، سواء كنت ربّ منزل أو مسؤولًا عن شركة أو مؤسّسة أو مشروع أو مدينة أو دولة، غير أن الصدمة من تبعات انخفاض الأسعار التي ظهرت جليًّا في تخفيض الاستثمارات في القطاع وخفض الإنتاج، ومن ثمّ تسريح الآلاف من العاملين في القطاع، أثّرت بدورها على العديد من القطاعات الأخرى، التي ظهرت جليًا في القوّة الشرائية.

بالتزامن، زادت تداعيات جائحة كورونا على الاستهلاك والمستهلكين والقوّة الشرائية حول العالم، ما انعكس على أسعار النفط تباعًا، وهو ما يصعّب الأمور أكثر فأكثر، أو بالأحرى يصعّب اتخاذ القرارات.

الأمير عبد العزيز بن سلمان

هنا جاء دور المسؤول عن حقيبة الطاقة، في أكبر دولة مصدّرة للنفط في العالم، والتى يمثّلها الأمير عبد العزيز، فماذا فعل؟

قرّرت شركة أرامكو السعودية العملاقة، تخفيض أسعار النفط الخام الذي تُصدّره إلى آسيا، بما يتراوح ما بين 4 و 6 دولارات للبرميل، في شهر أبريل (نيسان). كما خفّضت أرامكو أسعار النفط الذي تصدّره إلى أميركا، بمقدار 7 دولارات للبرميل، بصورة فاقت التوقّعات.

ورفعت السعودية -أكبر مصدّر للنفط في العالم- إنتاج النفط إلى قرابة 12 مليون برميل يوميًا، في أبريل (نيسان).

كلّ هذا، والأسعار تزداد انهيارًا، كلّ هذا والعالم يزداد رعبًا من القادم، وهل هو أسوأ أم أن حربًا للأسعار بدأت، ولم تنتهِ، كلّ هذا والأسواق العالمية تترقّب القرارات السعوديّة.

لم تكن مفاجأة، وقتها، أن توافق أوبك+ في اجتماع غير عادي، عقدته المنظّمة في أبريل /نيسان، على خفض تاريخي للإنتاج، بلغ 9.7 مليون برميل يوميًا، في شهري مايو /أيّار، ويونيو /حزيران، ثم تقرّر التمديد شهرًا إضافيًا، ثمّ تقليص الاتّفاق في أوّل أغسطس/آب الجاري، إلى 7.7 مليون برميل يوميًا، مع انتهاء تخفيض طوعي سعودي وخليجي بمليون و180 ألف برميل يوميًا.

وبعد الاتّفاق على أكبر خفض في التاريخ، حقّقت أوبك+ مستويات غير مسبوقة من الامتثال والالتزام باتّفاق خفض الإنتاج.

وشدد وزراء الطاقة والنفط  في 6 دول (السعودية، والإمارات، والكويت، والبحرين، وسلطنة عمان، والعراق) خلال اتصال هاتفي مشترك جرى 7 أغسطس/آب الجاري، على أهمية تحقيق جميع الدول المشاركة في اتفاق “أوبك+”، مستويات الإنتاج المُستهدفة لها، من أجل تسريع إعادة التوازن إلى سوق النفط العالمية.

وأكّد الوزراء، مُجدّدًا، على أن الالتزام الكامل باتّفاق “أوبك+”، وبنظام التعويض، سيسرّع انتعاش سوق البترول العالمية، لما فيه صالح منتجي البترول ومستهلكيه، وصناعة الطاقة، والاقتصاد العالمي عمومًا.

وقال الأمير في هذا الصدد: “على نفس القدر من الأهمّية، فقد اتّفقنا، وبدأنا في تنفيذ جدول مفصّل للتعويضات عن الإنتاج الزائد، خلال الأشهر الماضية”. موضّحًا أنّه يجب أن “نسعى إلى وضع نظام التعويض المؤقّت هذا وراءنا، من خلال التخلّص من كلّ فائض الإنتاج السابق، بنهاية سبتمبر/أيلول المقبل”.

وضحت الأمور الآن.. ومن زرع حصد، وأصبحت أوبك تسبق بخطوة، وبعد كلّ هذا.. الأسعار تُتداول بشكل شبه مستقرّ عند مستويات 40-50 دولارًا للبرميل، وهنا لا يمكن تجاهل أثر تداعيات فيروس كورونا السلبية على الاستهلاك، لأنّه عند تحييد أثر كورونا، فمن المؤكّد أن مستويات الأسعار -الآن- كانت تخطّت 70 دولارًا للبرميل، حتّى مع استمرار الحرب التجارية بين الولايات المتّحدة والصين.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى