رئيسيةكهرباءمقالات

إبراهيم أبو نوارة يكتب لـ”الطاقة”: ليبيا.. فرص إصلاح وتغيير سياسات دعم المحروقات

أنفقت 30 مليار دولار لدعم المحروقات بين 2012 و 2017.. ضاع منها 30% في التهريب!

كل ما حصل في أسواق النفط العالمية منذ بداية العام وحتى الآن، وعدم وجود بوادر قوية لوقف انتشار فيروس كورونا (COVID-19)، أعطى إشارات مقلقة و شكوكاً قوية حول مستقبل الطلب العالمي للطاقة في الأمدين القريب والمتوسط، خاصة في ظل وجود ركود اقتصادي في العديد من دول العالم. وفي ظل هذه الأجواء، تبدو ليبيا من خلال هذه المؤشرات العالمية مجبرة على التزام أقصى درجات الانضباط المالي، ومع احتياطي ليبي نفطي يُعد الأول إفريقيا، وإنتاج متقطع لكميات بسيطة بعد أن كان إنتاج ليبيا خلال يناير 2020 قد تجاوز المليون برميل يومياً، فإنه ليس هناك خيار سوى ضبط الإنفاق.

وتشير بيانات صندوق النقد الدولي (IMF) لعام 2014 إلى أن الإيرادات النفطية غطت 96% من الإيرادات الحكومية، ‏‏‏وأدت سنوات من ارتفاع السعر العالمي للنفط إلى تعزيز معدلات نموها الاقتصادي، فواكبت هذه الطفرة برفع مستويات الإنفاق الحكومي. ولكن تعرض الاقتصاد الليبي -مؤخراً- الى الضغط المزدوج: فبين يونيو 2014 وفبراير 2016، أدى انخفاض أسعار النفط العالمية بنسب تقارب 70% إلى نشوء عجز في الميزانيات العامة لم تشهدها ليبيا منذ أواخر تسعينيات القرن العشرين. ومع تقلص الإيرادات الحكومية وعمليات الإقفال المتكررة للموانئ النفطية وعمليات السحب من صندوق الثروة السيادي، يبدو أن إصلاح سياسات الطاقة أصبحت وسيلة لتحقيق هدفين متزامنين، وهما: خفض العجز في الميزانية العامة، والابتعاد عن نموذج النمو القائم على الاستهلاك واستنفاذ الموارد المفرط.

تتسم ليبيا بتاريخ طويل من دعم المستهلكين الذي يغطي منتجات الغذاء والطاقة؛ حيث تم إقرار الدعم السلعي لأول مرة في أوائل سبعينيات القرن الماضي، واستمر بدرجات متفاوتة من التغطية حتى أواخر العام 2000 عندما اُطلقت أول محاولة جادة لإصلاح نظام دعم منتجات الطاقة، ولكن -لسوء الحظ- تم عكس عملية الإصلاح هذه بسرعة قبل وقت قصير من فبراير 2011 في محاولة للحد من السخط الاجتماعي، والذي أسفر عن تكلفة باهظة على ميزانية الدولة خلال فترة ما بعد 2011 التي تميزت بانخفاض النمو الاقتصادي وتذبذبه، وعدم الاستقرار الأمني والسياسي.

لم يكن الدعم هو المصدر الوحيد للتشوهات الاقتصادية في ليبيا قبل وبعد فبراير 2011، كما أن الجمع بين الدعم السلعي وغيرها من السياسات الاقتصادية التي تقيد القطاع الخاص قد حرمت -بشكل حاسم- الاقتصاد الليبي من مجموعة أساسية من الحوافز التي تحرك اقتصاد السوق، حولت خلالها القطاعات الإنتاجية الى الاعتماد بشكل شبه كامل على الدعم المقدم من الدولة.

هشاشة سياسية

تمثل عملية إصلاح أسعار الوقود والكهرباء مشكلة سياسية في ليبيا، ليس -فقط- لأن هذه الأسعار تعد ركناً راسخاً في العقد الاجتماعي السائد في ليبيا، بل -أيضاً- بسبب نقص الإدراك بقيمة وتكلفة هذه الموارد لدى الحكومة والمستهلكين على حد سواء؛ إذ تُعد أسعار الطاقة في ليبيا من بين أدنى المستويات في العالم. فعلى سبيل المثال: يمكن حساب تكلفة إنتاج وتوريد البنزين بحوالي 0.52 دولار/ للتر في حالة بيع المنتج محلياً، بمتوسط سعر لبرميل النفط الخام عند 70 دولاراً، ولكن سعر البنزين السائد في ليبيا حاليا 0.1 دولار للتر، حتى عندما وصلت أسعار النفط العالمية إلى مستويات 100 دولار للبرميل، ظلت أسعار البنزين دون تغيير، كما كانت -أيضاً- مبيعات الغاز المحلية لفترة طويلة أقل بكثير من أسعار الغاز الطبيعي العالمية،‏‏‏ يضاف إلى ذلك أن الضرائب، أو التكلفة المتعلقة بالآثار الاجتماعية والبيئية، لا تندرج في أي من المعادلات أعلاه. فعلى سبيل المثال: قد تصل نسبة ضريبة القيمة المضافة والرسوم الأخرى إلى 70% من سعر لتر الديزل في بريطانيا.

علاوة على ذلك، قد لا ترى الحكومة أن السعر الذي يقل عن أسعار السوق الدولية يُعد سعراً مدعوماً (Subsidize Price)؛ فرغم أن الفجوة بين السعر النظامي لبيع الوقود وتكلفة التوريد (أي الدعم الحكومي، والتي تؤثر على ميزانية الدولة) تختلف بوضوح عن الفجوة بين سعر البيع وسعر التجارة الدولية لوحدة السلعة، فتكلفة الفرصة البديلة (Opportunity Cost) المترتبة على عدم تصدير المنتج -وهي الفجوة التي يستخدمها صندوق النقد الدولي ومنظمات كثيرة أخرى معياراً لحساب قيمة الدعم السلعي- تعكس على نحو أفضل فقدان الإيرادات المحتملة أو المستقبلية. ومع ذلك، ينطوي تطبيق أسلوب تكلفة الفرصة البديلة على تعقيدات خاصة به؛ نظراً لوجود العديد من العوامل الخارجية، منها: العرض والطلب العالمي على المنتجات النفطية، وسجلات مخزونات المشتقات النفطية عالمياً، بالإضافة إلى الوضع الجيوسياسي في العالم وغيرها.

ومن الواضح أن الهشاشة السياسية قد تعوق أي إصلاحات مقبلة لقطاع الطاقة، ولكن هناك ثلاثة أسباب أخرى تدفع بعض المحللين الاقتصاديين إلى توقع ثبات أسعار المشتقات النفطية في ليبيا دون تغيير:

أولاً/ ثراء ليبيا يعني أنها ليست ملزمة بمراعاة متطلبات وكالات الطاقة الدولية فيما يخص كفاءة استهلاك الطاقة، بالإضافة لطرق معالجة أي عجز قد ينشأ من جراء أي انخفاض لأسعار النفط العالمية. ذلك على عكس جارتيها مصر وتونس، وهما بلَدان يخضعان حالياً لعمليات إصلاح لأسعار المحروقات. ورغم أن ليبيا تتلقى المشورة من صندوق النقد الدولي؛ إلا أنها ليست ملزمة بالعمل بمقتضى هذه المشورة، بعكس جارتيها مصر وتونس.

ثانياً/ من المتوقع أن تتحرك مافيات التهريب النشطة، بالإضافة إلى نخب قطاع الأعمال وقطاعات الدولة المستفيدة من الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة (مثل: البتروكيماويات، والأسمنت، والصلب، والبناء، والنقل بالشاحنات، والصناعات الزراعية) لتسد الطريق أمام الإصلاحات التي تتحدى أسس أرباحها.

ثالثاً/ يبدو أن تدهور الوضع الأمني في ليبيا في أعقاب فبراير 2011، والفشل في بناء قوى أمنية موحدة ومنضبطة، بالإضافة إلى عدم الاستقرار السياسي والأمني، جعل الحكومات المتوالية تُحجم عن اتخاذ أية إجراءات أو تدابير قد تفسر من قبل المواطنين على أنها تقوم بسحب المنافع منهم.

وقود النقل

ما يزال تسعير وقود النقل في ليبيا من أشد القضايا حساسية من الناحية السياسية والاقتصادية، ولا يعود ذلك إلى سمعتها كبلد مصدرة للنفط تنعم بالثراء النفطي فحسب؛ بل يعزى أيضاً -ولو جزئياً- إلى احتمال تأثير الأسعار بشكل مباشر على كبار المستهلكين، وبشكل غير مباشر على أسعار المواد الغذائية.

ومع تسبب نمو الطلب على المحروقات في تقليص قدرة ليبيا على الاستفادة القصوى المحتملة من تصدير النفط، ومع استمرار عمليات التهريب، وخاصة من الساحل الغربي لليبيا، باتت هذه المسألة محوراً للمناقشات على المستويين المحلي والإقليمي. وظل التفاوت الواسع في أسعار وقود النقل بين دول شمال إفريقيا منبعاً للقلق طيلة سنوات عدة، وأدى ارتفاع الأسعار في تونس ومصر على مدى السنوات الماضية نتيجة لإصلاحات يقودها صندوق النقد الدولي إلى إثارة النقاش حول تقليص الفجوة في أسعار الوقود على مستوى هذه الدول.‏ وفي الآونة الاخيرة، تعززت مسوغات إصلاح الأسعار في ليبيا، في ظل الازدحام المروري وتلوث هواء المدن، وخاصة في العاصمة طرابلس ومدينة بنغازي.

إهدار مبالغ طائلة

تقدر وكالة الطاقة الدولية (IEA) استهلاك ليبيا من المشتقات النفطية بحوالي 220 ألف برميل يومياً، ويبدو أن إهدار المبالغ الطائلة تحت بند الدعم كان سمة مشتركة لكل الحكومات المتعاقبة مند بداية نظام دعم المحروقات في ليبيا في سبعينيات القرن الماضي، فبحسب تقرير ديوان المحاسبة الصادر عام 2017 فإن ليبيا أنفقت 30 مليار دولار أميركي لدعم المحروقات خلال الفترة من عام 2012 وحتى عام 2017. ومع تفاقم عمليات تهريب الوقود، أشار التقرير إلى أن التهريب يشكل 30% من إجمالي قيمة الدعم.

وتبدو عمليات التهريب المنظم للمنتجات النفطية المصدر الأكثر قلقاً للمؤسسة الوطنية للنفط NOC، فبحسب  مصطفى صنع الله رئيس المؤسسة الوطنية للنفط خلال مؤتمر حول تهريب الوقود في جنيف أبريل 2018 فإن إجمالي عمليات التهريب سنوياً فاقَ 700 مليون دولار.

خيارات رفع الدعم عن وقود النقل

تتنوع خيارات رفع الدعم عن المنتجات البترولية حسب تركيبة الدول والوضع القائم فيها. ويقترح كثير من الباحثين الاقتصاديين تطبيق النظام الأوتوماتيكي للأسعار Automatic price mechanism عوضاً عن تطبيق السعر الثابت Fixed Price المتحكم به حكوميا. وسيتطلب من السلطات المعنية في ليبيا لتطبيق نظام التسعير الأوتوماتيكي تحديد صيغة التسعير واعتماد جدول زمني لتحديث مكونات صيغة التسعير، بالإضافة إلى وضع قاعدة تحدد (متى وكيف) يتم تغيير أسعار التجزئة، وأخيرا: إعداد هيئة مستقلة مسؤولة عن آلية التسعير. إلى ذلك، يجادل الأخصائيون في هذا المجال بأن الاعتماد على النظام الأوتوماتيكي في الأنظمة التي تواجه هشاشة سياسية وأمنية، سيكون أكثر استقراراً من ناحية تحصيل الإيرادات الضريبية الحكومية، بالإضافة إلى كونه يقلل التدخل السياسي واستعمال أسعار المحروقات كورقة مساومة سياسية.

التأثير على القطاع الصناعي

سيواجه القطاع الصناعي في ليبيا أكبر التبعات من جراء تعديل أسعار بعض المنتجات النفطية مثل: الكيروسين والغاز الطبيعي، وخاصة صناعات البتروكيماويات والأسمدة والحديد والصلب والأسمنت. ومثال ذلك، ستتأثر بشكل نسبي أسعار منتجات مصنع الحديد والصلب – مصراتة بتغير أسعار المنتجات النفطية، بالإضافة إلى منتجات مصانع الأسمنت في الخمس وزليتن بهذا التغير؛ ما يجعل كفاءتها ومنافستها للمنتج المستورد محل نقاش. أيضاً، تبدو منتجات مصانع راس لانوف للبتروكيماويات غير بعيدة من مثل هذا التأثير. وهناك أمثلة متعددة على رفع أسعار الغاز الطبيعي في المنطقة العربية وتأثيرها على الأسعار، فبعد سنة واحدة من زيادة الأسعار المحلية للغاز الطبيعي في عُمان، أعلنت بعض شركات الأسمنت في السلطنة عن تدهور أرباحها قبل خصم الضرائب بنسبة تتراوح بين 12% و18% مقارنة بالسنة السابقة.

التأثير على المستهلكين

يؤدي ارتفاع أسعار وقود النقل دائماً إلى تأثير نفسي فوري على المواطنين؛ إذ أن الإعلان عن رفع أسعار الوقود سيعقبه -حتماً- طوابير انتظار في محطات الوقود؛ إذ سيهرع الناس لتعبئة خزانات سياراتهم استباقاً لزيادة الأسعار، وهذا -بالفعل- ما حدث في المملكة العربية السعودية وسلطنة عمان والبحرين خلال أواخر عام 2015 وأوائل عام 2016. وتوقع أن يتكرر الأمر نفسه في ليبيا؛ حيث يُعد شراء البنزين نشاطاً اعتيادياً لشريحة كبيرة من المستهلكين سواء منخفضي، أو متوسطي أو -حتى- مرتفعي الدخل؛ إذ تعتمد ليبيا -بشكل تقريبي- على النموذج الأمريكي القائم على شبكات الطرق المترامية الأطراف، حيت يُعد التنقل بالسيارة ضرورياً وأساسياً لشريحة كبيرة من المستهلكين.

تتوقف الآثار المترتبة عن إصلاح قطاعات الطاقة على المستهلكين في جانب الطلب على كيفية سداد الأفراد والشركات فواتير خدمات المرافق العامة، وقيمة الأسعار الجديدة مقارنة بدخلهم، ومدى تطبيقهم لتدابير الحفاظ على الطاقة من أجل خفض فواتيرهم. فمن ناحية أولى، تعد عملية السداد لبعض منتجات الطاقة في ليبيا غاية في الصعوبة والتعقيد (الكهرباء مثلاً). ومن ناحية أخرى، لا يتساوى الجميع في إدراك أن الفاتورة تغيرت ولا في درجة تأثرهم بهذا التغيير؛ إذ أن دافع الفاتورة يكون إما رب الأسرة، أو مدير المكتب، أو مالك المبنى أو القائم على إدارته.

أما على قطاع الأعمال الليبي، فمن المفترض أن تؤدي زيادة أسعار الوقود إلى الارتقاء بالكفاءة في قطاع الطاقة، ولكنها قد لا تحقق تأثيراً إيجابياً يذكر إذا تم تعويض خسائر الشركات العامة أو هيئات مياه الصرف الصحي عبر التحويلات المباشرة من وزارة المالية، أو عبر إدراج مخصصات الوقود في عقودها، والأفضل -حسب أفضل الممارسات- هو القيام بعملية تفكيك وتحفيز الاستثمار في جميع ميادين قطاع الطاقة: (التوزيع، والتوليد/الإنتاج)؛ وذلك من أجل تلبية الطلب المستقبلي، والارتقاء بمستويات الكفاءة. ويمكن للنهج القائم بفتح الاستثمار بشكل واسع في مرافق الطاقة في ليبيا على أن يتم من خلال عملية خصخصة تخضع لتنظيم جيد وحسب أفضل الممارسات، أو عن طريق نهج يقوم على الفصل بين معايير المحاسبة والأداء في المؤسسات التابعة للدولة، أو بالجمع بين هذين النهجين. إذ تؤثر زيادة أسعار الوقود في المدى الطويل على معادلة “الطاقة مقابل التكلفة” في إنتاج/استيراد الوقود وتوزيعه محليا أو مرحلة تصميم محطات الكهرباء وغيرها،

سلة الغذاء

ستضع الحكومات أسعار المواد الغذائية تحت الرصد الدقيق؛ إذ أنها عادة ما ترتفع كلما زادت تكاليف النقل، ويمكن عندها أن تتحول إلى محور لاحتجاجات شعبية كما كان الحال في مصر عام 2011 وفي نيجيريا عام 2012، إلا أن التأثير الإجمالي لارتفاع أسعار الوقود المحلية على أسعار الغذاء قد يكون طفيفاً؛ ذلك بسبب تراجع الأسعار العالمية تماشياً مع انخفاض أسعار المحروقات منذ أغسطس عام 2014. ومع ذلك، قد تواجه شركات منتجات الصناعات الغدائية تعديلاً في أسعارها بما يتماشى مع الأسعار المعدلة للطاقة.

استجابة السياسات للتخفيف من آثار إصلاح الدعم

تبدو الحكومة الليبية مدعوة للتفكير بشكل جدي وحاسم في السياسات التي ستتخذها حيال إصلاح منظومة الدعم على المنتجات النفطية؛ فهناك معالم أساسية لأي عملية إصلاح قد تتبناها الحكومة؛ وذلك لما تمثله هذه المنتجات من العصب الحساس لقيادة أي نمو اقتصادي مستقبلي. إذ تتمثل هذه المعالم في اضطراب دورة أسعار السلع الأساسية والتضخم السائد، بالإضافة إلى مصداقية السياسة النقدية (والتي هي محل شكوك).

هناك مقاربتان للسياسات المتبعة والتي من الممكن أن تقلل من أثار ما يسمى بـ “صدمة الطاقة” الناجمة من أي عملية لإصلاح قطاع الطاقة في لببيا.

تتمثل المقاربة الأولى في تحسين استهداف دعم الطاقة الحالي، عن طريق  التدخلات الثلاثة التالية (منفردة أو مجتمعة) والتي تتمثل في:

1- التدخل عن طريق منتج الطاقة، ويتم عن طريق تحديد الدعم لبعض منتجات الطاقة دون غيرها. ويتم ذلك مثالاً عن طريق الحفاظ على نسبية الدعم على غاز الطهي، والذي يغطي شريحة واسعة من محدودي الدخل. لكن تجدر الإشارة إلى أن هذه الإجراءات من تحديد الدعم على بعض منتجات الطاقة قد تقود إلى تشوه خطير في منظومة إصلاح الطاقة، اذ من الممكن أن يشجع هذا الدعم ذوي الدخل المرتفع على الاستهلاك المفرط من هذا المنتج.

2- التدخل عن طريق كمية الطاقة، ويتم ذلك بالسماح للمستفيدين المؤهلين من الدعم بالحصول على كمية محددة لمنتجات الطاقة المدعومة، هذا التدخل يعد من أكثر التدخلات سهولة في التطبيق، وقد يكون ملائماً بشكل جيد فيما يخص قطاع الكهرباء، ويرجع ذلك إلى طبيعة بناء تعريفة استهلاك الكهرباء.

3- التدخل عن طريق المستفيد من منتج الطاقة، ويتم عن طريق تحديد عدد المستفيدين من الدعم عن طريق تصميم برنامج للمستهدفين بشكل جيد يسمح بتحديد أصحاب الدخل المحدود بشكل عادل و محدد.

فيما تتمثل المقاربة الثانية في توسيع شبكات الأمان الاجتماعي. ويتم هذا بأخذ المسارين التاليين:

يمر المسار الأول عن طريق التحويل العيني، وذلك بتزويد الخدمات والمنتجات بسعر أقل من سعر السوق موجها لمحدودي الدخل الذين يتم اختيارهم إما بالاختيار الذاتي، أو الجغرافي، ويتم التحويل العيني بعدة أشكال، منها الإعفاء من الضرائب لبعض منتجات الطاقة، أو الإعفاء من بعض الرسوم الحكومية الخاصة بالصحة او التعليم أو غيرها. أيضا مع بداية المحاولات الجادة لبناء موصلات عامة تتمتع بجودة مقبولة في المدن الكبرى كالعاصمة طرابلس أو بنغازي، وقد يكون تخفيض بعض الرسوم عن محدودي الدخل -أيضاً- من الخيارات المتاحة.

فيما يتمثل المسار الثاني بتقديم الدعم النقدي او ما يعادله للفئات المؤهلة للحصول عليه. هذا المسار قد يعطي المستفيدين المرونة الكافية لشراء نوع وكمية منتجات الطاقة التي يرغبون بها حسب الحاجة. وقد يمنع هذا التحويل النقدي المشروط ردة الفعل غير المقبولة من المواطنين بفعل الصدمة من إصلاح قطاع الطاقة. والتي من الممكن أن تكون على صورة سحب الأطفال من المدرسة بسبب زيادة تكاليف المعيشة.

تجدر الإشارة إلى أن أي حكومة قد تقدم على برامج التحويل النقدي يجب أن تأخد في الاعتبار القدرات الإدارية والفنية المطلوبة لإدارة التدفقات النقدية بشكل مناسب وسلس، فيما تمثل الابتكارات التكنولوجية للتحويلات النقدية أملاً كبيراً لتخفيف هذه الأعباء الإدارية والتقنية لبرامج التحويل النقدي، بالإضافة لكونها تحسن برامج الشمول المالي.

يبقى نجاح المقاربتين على أرض الواقع في ليبيا مرهوناً باستقرار سياسي قصير ومتوسط المدى، بالإضافة لاستقرار أمني يسمح بتنفيذ السياسيات وانسيابها بشكل فاعل وعلى التراب الليبي بأكمله.

نقطة نظام!

مع كل بلد تعلو فيه المطالبات بضرورات خفض العجز وإعادة تحرير الأسعار من الدعم، يبقى السؤال الأهم في ليبيا، أين وكيف ستتم إدارة الوفرة المتوقعة من التخفيض التدريجي أو إزالة الدعم بالكامل؟

سيتوقف مدى نجاح أي حكومة في ليبيا في تحقيق ذلك على كيفية إنفاقها للفوائض المالية التي ستجنيها من خفض الدعم وزيادة الأسعار، كما يرتهن النجاح بقدرتها على تفادي المشكلة التي واجهت دولاً -مثل إيران- عندما فاقت قيمة التحويلات النقدية الموعودة إلى المواطنين والشركات قيمة الفوائض المتحققة. ومن ناحية أخرى، ستتوقف قيمة الفوائض على أسلوب حساب التكاليف وطريقة قياس الدعم (الفرصة البديلة أو المنتج المدعوم)، وفقاً لما استعرضناه أعلاه.

تبدو تجربة ليبيا في إدارة الفوائض مشوبة بكثير من الشك، في ضوء عدم اليقين السياسي والهشاشة الأمنية، والتي تمت ترجمتها إلى عدم كفاءة وخلافات في إدارة الإيرادات المالية المحققة من تنفيذ الضريبة على مبيعات العملات الأجنبية في ليبيا؛ فبعد سنة من جني وفرة مالية فاقت 10 مليارات دينار، لا يبدو على أرض الواقع أن هناك أي تقدم ملموس في تحسين الخدمات الأساسية. هذا السؤال قد يجد طريقه مجدداً إلى الواجهة عند بداية أي عملية لإصلاح قطاع الطاقة، خصوصا مع تفاقم انقسام المؤسسات السيادية أو حتى المعنية بتنفيذ إصلاحات من هذا القبيل (شركة البريقة للتسويق النفط).

 

* إبراهيم صالح أبو نوارة.. مستشار سابق لدى منظمة الأمم المتحدة للإنماء.

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى