رئيسيةسلايدر الرئيسيةمقالاتنفط

أنس الحجي يكتب لـ”الطاقة” الخيارات الأميركية لإنقاذ النفط الصخري: أسمع جعجعة ولا أرى طحنًا!

اقرأ في هذا المقال

  • نجح ترمب ومجلس الشيوخ في الضغط على الدول المنتجة للنفط لتخفيض الإنتاج
  • لو زادت السعودية إنتاجها أو لم تزد فإن أسعار النفط كانت ستنخفض في الحالات

أنس بن فيصل الحجي*

تبدأ الثورات بحالة من الفوران والجنون، فإذا نجحت، تبدأ مرحلة “العقلنة”، ويتحوّل “مجانينها” إلى “عقلاء”، ومع الزمن يتحوّلون إلى “حكماء”. وخبوّ نار “الثورة” لا يعني انتهاء منجزاتها وأثرها في أرض الواقع، وإنّما يعني أنها وصلت إلى أوجها من ناحية التوسّع والامتداد الكبيرين.. هذه هي حال ثورة النفط الصخري في الولايات المتّحدة الآن، ومستقبلًا.

وككلّ الثورات، هناك الانتهازيّون الذين يركبون موجة الثورة، ولكن تنكشف حقيقتهم وقت الأزمات، ويتبيّن أنّهم لم يؤمنوا يومًا بمبادئ الثورة، ولكنّهم ركبوا الموجة، لأنّها كانت في صالحهم. هذه هي حال رؤساء الشركات الذين يطالبون الحكومة الأميركية وحكومات الولايات، للتدخّل في شؤون الصناعة بحجّة حمايتها وحماية الأمن القومي الأميركي.

ففي عام 2015، قام أحد رؤساء شركات النفط العاملة في مجال النفط الصخري بتبنّي فكرة “حرّية الأسواق” وأسهم بشكل كبير في اللوبي النفطي الذي أقنع الرئيس باراك أوباما، وقتذاك، برفع الحظر المفروض على صادرات النفط الخام الأميركي منذ السبعينات من القرن الماضي، وجرى فعلًا رفع الحظر في نهاية عام 2015. هذا الشخص هو نفسه من يحارب الآن ضدّ “حرّية الأسواق” ويطالب بتدخّل حكومي على كلّ المستويات، بما في ذلك مطالبة حكومة ترمب بفرض ضرائب جمركية على وارادات النفط من السعودية وروسيا، ثمّ مطالبة الهيئات المختصّة في كلّ من تكساس وأوكلاهوما وداكوتا الشمالية بتقنين إنتاج النفط عن طريق فرض تخفيض إجباري على كلّ المنتجين، بنسب متساوية.

وفي السنوات الماضية، قام رئيس شركة أخرى بحضور مؤتمرين من المؤتمرات التي تعقدها أوبك في فيينا كلّ عامين للمسؤولين والمحلّلين والباحثين والمهتمّين. وفي كلا المؤتمرين اختارته اللجنة المنظّمة أحد المتحدّثين الرئيسيّين، وفي كلتا المرّتين تحدّى دول أوبك بشكل فظّ في عقر دارها، وقال، إن إنتاج النفط الصخري سيستمرّ بالزيادة في السنوات القادمة، وإنّهم قادرون على منافسة دول أوبك، فهذه سوق حرّة، وشركته ومثيلاتها هي الأقدر على المنافسة في هذه الأجواء! هذا الشخص هو نفسه من طالبَ حكومة ترمب بالتدخّل، وهو نفسه من اتّصل بأعضاء مجلس الشيوخ يطالبهم بالتدخّل للضغط على السعودية لخفض الإنتاج، وهو نفسه من يطالب “مصلحة سكّة حديد تكساس” بإجبار كلّ المنتجين في تكساس على تخفيض الإنتاج!

الملكية الخاصّة للموارد وارتفاع سقف حرّية السوق الأميركية وما يمنحه الدستور الأميركي من صلاحيات للولايات، أفرز ثورة النفط الصخري

خيارات حكومة ترمب

تختلف الحكومة الأميركية عن غيرها من الدول بأنها الدولة الوحيدة في العالم التي تُملَك فيها احتياطيات النفط ملكية خاصّة، إلّا النفط الموجود في الأراضي والمياه الفيدرالية، ولكن حتّى من يقوم بتطوير حقول النفط في الأراضي والمياه الفيدرالية، كلّها شركات خاصّة. والواقع أن هناك عدّة عوامل تضافرت مع بعضها، فنتج عنها ثورة النفط الصخري، أهمّها هي الملكية الخاصّة للموارد، وارتفاع سقف حرّية الأسواق مقارنةً بدول العالم الأخرى. هذه الأمور، إضافة إلى ما يمنحه الدستور الأميركي من صلاحيات للولايات، تجعل إدارة ترمب لا تستطيع إجبار المنتجين الأميركيين على تخفيض الإنتاج، لأن هذا من اختصاص الولايات. ونظرًا لأن ترمب لا يستطيع إجبار المنتجين الأميركيّين، رغم أنّه وعد قادة أوبك بأنّه سيعمل على تخفيض إنتاج الولايات المتّحدة، فإن لديه خيارات أخرى لمساعدة القطاع، إلًا أن أحلاها بطعم العلقم!  فماهي الخيارات التي أمام ترمب؟

1- الضغط سياسيًا على الدول المنتجة لتخفيض الإنتاج

نجح ترمب وداعموه في مجلس الشيوخ بالضغط على الدول المنتجة لتخفيض الإنتاج. وبالفعل، اجتمعت هذه الدول على مدى يومين في اجتماع طارئ، وقرّرت تخفيض الإنتاج بمقدار 9.7 مليون برميل يوميًا، إلًا أن تخفيض السعودية بالذات قد يكون أكبر بقرابة مليون برميل يوميًا عمّا ذُكر في الاتّفاق، لأن حصّتها حُسبت من إنتاج قدره 11 مليون برميل يوميًا، بينما كان إنتاجها يفوق 12 مليون برميل يوميًا في شهر أبريل / نيسان. ولكن، كما كان متوقّعًا، فإن مصير سياسة ترمب هو الفشل، لأن المشكلة ليست في الإنتاج، وإنّما في الانخفاض المريع في الطلب على النفط بسبب فيروس كورونا.

بعبارة أخرى، ما كانت زيادة الإنتاج السعودي التي أُعلن عنها في شهر مارس / آذار، إلًا “مسرّعًا” لتخفيض الأسعار. وبعبارة أخرى أيضًا، لو زادت السعودية إنتاجها، أو لم تزد، فإن أسعار النفط كانت ستنخفض إلى ما انخفضت إليه في كلّ الحالات، بسبب انخفاض الطلب على النفط، ومشكلات العقود المستقبلية، والتخزين في الولايات المتّحدة. وليس أدلّ على ذلك من انخفاض أسعار النفط إلى السالب يوم 20 أبريل / نيسان، وهو أمر يعود إلى المضاربات والمخزون، ولا علاقة له بالسعودية أو بروسيا.

الأمر الآخر هو الفروقات السعرية، حيث أصبح سعر خام غرب تكساس أقلّ من سعر خام برنت بأكثر من عشرة دولارات في بعض الفترات الماضية. والجميع يعرف أن أغلب الزيادة في صادرات السعودية كانت لأوروبّا الغربية، والمفروض أن التأثّر في سعر خام برنت وليس في خام غرب تكساس، فكيف ينخفض سعر خام غرب تكساس بهذا الشكل، والسعودية لم ترسل كمّيات إضافية من النفط إلى الولايات المتّحدة بعد؟

2- وقف الواردات النفطية من السعودية وروسيا

هدّد بعض أعضاء مجلس الشيوخ، السعودية وروسيا، بوقف الواردات من نفط هذين البلدين إذا لم تقوما بتخفيض الإنتاج، الغريب في الأمر أنّهما قرّرتا تخفيض الإنتاج بكمّيات كبيرة، إلًا أن سعر خام غرب تكساس انخفض، وتحوّل إلى سالب، الأمر الذي جعل أعضاء مجلس الشيوخ يكرّرون التهديد في كلّ الحالات، والمشكلة أن هذا الخيار يؤذي الولايات المتّحدة أكثر من غيرها لأسباب ثلاثة، الأوّل: أن نوعيّة النفوط السعودية القادمة إلى الولايات المتّحدة -سواء إلى غربها أو إلى خليج المكسيك- هي النوع الذي تحتاجه المصافي الأميركية، وإيجاد بديل له يستغرق وقتًا طويلًا. الثاني: أن أكثر حاملات النفط الكبيرة جدًا، التي ستصل إلى موانئ خليج المكسيك، تعود محمّلة بالنفط الصخري إلى الهند وبعض الدول الآسيوية، فإذا مُنعت من دخول الموانئ الأميركية لتفريغ حمولتها، فإن هذا يعني هبوط صادرات النفط الأميركية، الأمر الذي يرفع مستويات المخزون ويخفض أسعار النفط مرة أخرى، رغم عدم وصول النفط السعودي للولايات المتّحدة. الثالث: أن منع وصول الناقلات السعوديّة والروسيّة يرسل رسالة خاطئة للعالم بأن الولايات المتّحدة طرف تجاري غير موثوق، ومن ثمّ يجبر الآخرين على التعامل مع دول أوروبّية وآسيوية على حساب الولايات المتّحدة مستقبلًا. ولعلّ النتيجة غير المحسوبة هي أن منع وصول حاملات النفط السعودية يعني ندرة هذا النوع من الناقلات، وارتفاع معدّلات إيجاراتها اليوميّة، الأمر الذي يؤثّر سلبًا في صادارت الولايات المتّحدة النفطية.

3- فرص ضرائب جمركية على الواردات من السعودية وروسيا

طالب ثلاثة رؤساء شركات نفطية أميركية وعاملة في حقول الصخري (اثنتان مملوكتان من نفس العائلة)، وزارة التجارة الأميركية، بالتحقيق في موضوع إغراق السعودية وروسيا لأسواق النفط الأميركية، وفرض ضرائب للورادات من هاتين الدولتين، ثمّ قام بعض أعضاء مجلس الشيوخ بترديد هذا الأمر نوعًا من التهديد لهذين البلدين. المشكلة -كما في منع الواردات أعلاه- أن هذه الضرائب ستجبر السعودية وروسيا على تحويل شحناتهما إلى بلاد أخرى، ومن ثمّ ستعاني المصافي الأميركية، كما أن صادرات الولايات المتّحدة ستنخفض. المشكلة الأكبر هي أنّه إذا أدّت هذه العملية إلى ارتفاع أسعار النفط داخل الولايات المتّحدة، فإن هذا يعني أن المنتجين يفضّلون بيع النفط داخليًا بدلًا من تصديره، فتنخفض الصادرات بشكل أكبر، وتنخفض الأسعار. كما أن بيوت التجارة العالمية ستقوم  بعملية ما يسمى بـ”الكراسي الموسيقية” حيث تقوم بإعادة تحويل للناقلات من مختلف الدول، الأمر الذي يعني وصول النفط إلى الولايات المتّحدة، ولكن من دول أخرى، ومن ثمّ، فإن الضرائب لن تمنع وصول النفط، ولن تؤدّي إلى رفع الأسعار.

4- ملء الاحتياطي الإستراتيجي

بمجرّد انخفاض أسعار النفط أوقف الكونغرس الأميركي عمليات بيع النفط من الاحتياطي، والتي أقرّها في موازنة 2020 لتغطية تكاليف إدارة الاحتياطي بهدف تخفيض العبء على الموازنة، ثمّ أعلن الرئيس ترمب بعدها أن الحكومة الأميركية ستشتري 75 مليون برميل من النفط لملء احتياطي النفط الإستراتيجي، وهي تساوي السعة الاستيعابية المتوافرة الآن لملء الاحتياطي إلى أعلى مستوى له. ومن غرائب الصدف أن هذه الكمّية تساوي كمّية الزيادة التي أعلنتها أرامكو في شهر أبريل / نيسان. إلّا أن الكونغرس رفض تمويل المشروع، ولم يستطع ترمب الوفاء بوعده لمنتجي النفط الأميركيّين. ومع استمرار أسعار النفط بالانخفاض ظهر مشروع جديد، وهو السماح للشركات بتخزين نفطها في مغاور الاحتياطي الإستراتيجي، وبالفعل، جرى الاتّفاق مع تسع شركات على وضع نفطها في هذه المغاور، نصف هذه الشركات أجنبية. هذا الأمر مكّن الشركات من تلافي أزمة في التخزين، ولكنّه لم يحلّ مشكلة الأسعار المنخفضة، ولم يحلّ مشكلة منتجي الصخري، لأن النفط الذي ينتجونه لايتواءم من حيث النوعية مع النفوط الموجودة مسبقًا في هذه المغاور.

5- تقديم مساعدات ماليّة وإعفاءات ضريبيّة للمنتجين

بما أنّنا في عام انتخابات رئاسية، فإنّه من المتوقّع بأن يقول ترمب كلّ ما يمكن أن يقوله، ويحاول تنفيذ ما يستطيعه ضمن القانون. المشكلة أن أيّ أمر يتعلّق بأيّ إنفاق حكومي يتطلّب موافقة الكونغرس، والكونغرس ذو الغالبية الديمقراطية المناهضة لترمب الجمهوري، لن يوافق على مشاريع ترمب لأسباب متعدّدة. لذلك، فإن يد ترمب في هذا المجال مقيّدة، ولا يستطيع تقديم أيّ شيء إلًا إذا تنازل للديمقراطيين عن أمور أخرى عزيزة عليه.

6- تقديم أموال والمشاركة في الشركات الأميركية

قد يكون هذا هو أحد الحلول العملية، وهو شبيه بالحِزم التحفيزية التي تبنّتها حكومة أوباما في عامي 2008 و 2009 خلال الأزمة الماليّة والكساد. المشكلة أن أغلب الصناعة النفطية -بما في ذلك شركات النفط الكبيرة- تعارض هذه العملية، بحجّة أنّها تتنافى مع حرّية الأسواق، وأن من سيحصل على الأموال في النهاية هي الشركات التي على حافّة الإفلاس بسبب سوء الإدارة وانخفاض الكفاءة، ومن ثمّ فإن هذه السياسة لن تصيب هدفها. وهناك تخوّف من بعض المنتجين المستقلّين -رغم حاجتهم الماسّة للمال- أن يخسر ترمب، ويصبح جون بايدن رئيسًا للولايات المتّحدة، الشريك في شركتهم، وبايدن وجماعته مشهورون بعدائهم لصناعة النفط. لهذا فإن أثر هذه السياسة -حتّى لو جرى تبنّيها- محدود. وهناك اقتراح آخر يتمثّل بقيام الحكومة أو البنك المركزي بشراء سندات الشركات المتعثّرة، ولكن هذه الخطوة محفوفة بالمخاطر أيضًا.

خيارات الولايات الأميركية

هناك ثلاث ولايات نفطية يبلغ مجموع إنتاجها أكثر من 7.3 مليون برميل يوميًا، وهي: تكساس، وأوكلاهوما، وداكوتا الشمالية، ينظرون في موضوع إجبار منتجيها على تخفيض الإنتاج بزهاء 20% أو أكثر لكلّ منهم، مع إعفاء صغار المنتجين ممّن ينتجون أقلّ من ألف برميل يوميًا من التخفيض. وهناك مصلحة (أو مفوّضية، أو هيئة أو لجنة أو مجلس) في كلّ ولاية تشرف على قطاع النفط والغاز، وكلّ مفوّضية يقودها ثلاثة من المفوّضين المنتخبين، مناصب هؤلاء المفوضين كبيرة ومهمّة جدًّا، وتُقرَّر بالانتخاب. ففي تكساس، أُعطي كونغرس هذه الولاية “مفوّضية سكّة حديد تكساس” الحقّ في الإشراف على قطاع النفط والغاز منذ أكثر من 90 عامًا. وهذا الحقّ يتضمّن إجبار المنتجين في الولاية على تخفيض الإنتاج. وقامت المفوّضية بإصدار العشرات من القرارات التي قضت بتخفيض الإنتاج منذ ثلاثينات القرن الماضي. إلّا أن قرارات المفوّضية لم تُنفّذ إلّا بعد أن أعلن حاكم الولاية وقتها قانون الطوارئ، وأرسل الحرس الوطني ورجال الشرطة لاحتلال حقول النفط، وطرد المنتجين منها، وبقي الاحتلال قرابة عام ونصف، حتّى تمكّنت المفوّضية من السيطرة على الوضع، واستمرّت سيطرتها حتّى بداية السبعينات، عندما بدأ الإنتاج الأميركي بالانخفاض، وواردات أميركا النفطية بالازدياد.

وعقدت المفوّضية اجتماعًا مفتوحًا في بداية الشهر الماضي، استمرّ أكثر من عشر ساعات، تحدّث فيه أكثر من 60 شخصًا وشاهده على شاسات الكمبيوتر أكثر من 30 ألف شخص حول العالم. وبدا من الحوار بين المفوّضين والشهود أن إحدى النقاط الأساسية المختلف فيها هو موضوع “الهدر”.

فالقانون يعطي المفوّضية الحقّ في إجبار المنتجين على تخفيض الإنتاج، إذا قرّرت المفوضية أن هناك “هدرًا”. المشكلة هنا تكمن في: ماهو تعريف الهدر؟ المؤيّدون لقرار تخفيض الإنتاح يرون أن الهدر هو هدر اقتصادي، يتمثّل في الخسائر الماليّة للشركات. بينما يرى المعارضون أن الهدر هو هدر فعلي يتمثّل -مثلًا- في حرق الغاز الطبيعي والنفط أو رمي النفط في الصحراء.

ومن المفروض أن يصوّت المفوّضون الثلاثة على قرار التخفيض من عدمه يوم الثلاثاء القادم. ويُتوقّع أن يجري التصويت 2 إلى واحد لصالح عدم التخفيض، انتصارًا لمبدأ حرّية الأسواق. وكان وين كرستيان -رئيس المفوّضية وأحد المفوّضين الثلاثة- قد أعلن عن رأيه صراحةً الأسبوع الماضي، عندما نشر مقالًا في جريدة هيوستن كرونيكال، قال فيها، إنه لن يؤيّد التدخّل الحكومي لإجبار المنتجين في تكساس على تخفيض الإنتاج.

ويُتوقّع أن تنضمّ إليه المفوّضة كريستي كراديك، حيث إنّهما دائمًا يصوّتان معًا، ضدّ المفوّض رايان سيتن، الذي سينتهي عمله في المفوّضية مع نهاية العام، بعد أن خسر الانتخابات الأوّلية لنفس المنصب في الانتخابات الأوّلية للحزب الجمهوري، يعني أنّه حتّى حزبه غير راضٍ عنه!

وستعقد المفوّضيتان في كلّ من أوكلاهوما وداكوتا الشمالية اجتماعهما قريبًا، بغرض بحث نفس الأمر. وكانت مفوّضية أوكلاهوما قد استبقت الأحداث قبل الاجتماع، بإصدار قرار يعرّف “الهدر” بأنه هدر اقتصادي يتمثّل في الخسائر الماليّة للشركات (وهو تعريف غريب)، ومن ثمّ فإن هذا يعطّل فقرتين في العقود الموقّعة بين المنتجين وأصحاب الأراضي: الاستمرار في الإنتاج، وحفر آبار ضمن فترة معيّنة.

تعطيل هاتين الفقرتين تحت فكرة أن أيّ إنتاج يمثّل هدرًا، يُمكّن المنتج من الاحتفاظ بعقده مع صاحب الأرض، دون الالتزام بهاتين الفقرتين. إلًا أن لهذا القرار أبعادًا كثيرة، منها أن تعريف الهدر بهذا الشكل يمكّن المفوّضية من إجبار كلّ المنتجين في أوكلاهوما على تخفيض الإنتاج، مهما كانت معلومات الشهود وأدلّتهم في الاجتماع القادم، ومهما كانت المعارضة شديدة للموضوع.

فإذا قرّرت المفوّضية تخفيض الإنتاج، فإن هذا ينعكس في النهاية سلبًا على منتجي أوكلاهوما، بسبب الحدود المفتوحة بين الولايات: تخفيض الإنتاج في أوكلاهوما يعني أخذ منتجي تكساس حصّتهم السوقيّة، حتّى داخل أوكلاهوما، ودون أن ترتفع أسعار النفط في الولاية. ونفس الأمور تنطبق على ولاية داكوتا الشمالية.

إضافةً إلى ماسبق، فقد تقوم الولايات بتقديم إعفاءات ضريبية للمنتنجين، ولكن هذه الإعفاءات غير كافية لتغيّر الوضع على الأرض.

الخلاصة

إنتاج النفط الأميركي سينخفض في ظلّ أيّ احتمال، ومهما كانت القرارات الحكومية على مستوى الحكومة الفدرالية أو حكومات الولايات. هناك انخفاض كبير في إنتاج النفط في الولايات المتّحدة، بسبب إغلاق الآبار، لعدم رغبة المنتجين بالبيع بأسعار منخفضة، أو لعدم وجود سوق لمنتجاتهم، أو لعدم وجود خزّانات كافية.  الخيارات المتاحة أمام حكومة ترمب وحكومات الولايات محدوة جدًّا، ولن تؤثّر فيما سيحدث على الأرض.  الواقع أن الطلب على النفط انخفض بشكل هائل، ومعه ارتفعت مستويات المخزون، وانهارت الأسعار، وإنقاذ صناعة النفط الأميركية يتركّز حول مكافحة فيروس كورونا، وعودة الأنسطة الاقتصادية، والتي ستعيد الطلب على النفط كما كان، عاجلاً أم آجلاً، وسترفع أسعار النفط.

*خبير نفط دولي – خاص لـ”الطاقة”

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى