المقالاترئيسيةسلايدر الرئيسيةنفط

مقال- د. أنس الحـجـي يكشف لـ”الطاقة” تداعيات اتّفاق أوبك+ اليوم

اجتماع طارئ الآن والمستقبل يعتمد على كورونا وتخفيض إنتاج خارج أوبك

خاص-الطاقة

د. أنـس بن فيصل الحـجـي*

تجتمع أوبك+ الآن لإنهاء تفاصيل الاتّفاق القاضي بتخفيض الإنتاج 10 ملايين برميل يوميًا. بعد الاجتماع، سواء مباشرة أو في اليوم التالي، ستعلن أرامكو عن أسعارها الرسمية، التي تأخّر إعلانها 4 مرّات، كي تعكس ما اتُّفق عليه.

ونظرًا لأنني أتوقّع أن يجري الاتّفاق مع أو بدون المكسيك، وأن يعكس تسعير أرامكو هذا الاتّفاق، سأعرض رؤية مختصرة لأسواق النفط في ظلّ تحقّق هذه التوقّعات.

أوّلًا، لن يؤثّر تخفيض 10 ملايين برميل يوميًا في الآسواق مباشرة، لأن الانخفاض في الطلب على النفط ضعفا أو ثلاثة أضعاف التخفيض. وأغلب التخفيض يعكس كمّيات لن تباع في كلّ الحالات، بسبب انخفاض الطلب على النفط. إلّا أن أثر التخفيض في المدَيين المتوسّط والطويل كبير، وذلك لأنه يخفض من الزيادة من المخزون.

وهنا، لابد من ذكر نقطة مهمّة، وهي أنه عند دراسة أثر التغيّر في الإنتاج، يجب ألّا نقارن الإنتاج الآن بالفترة التي سبقتها، ولكن نقارن الإنتاج الآن بالتوقّعات السابقة لما سيكون عليه الإنتاج الآن. لماذا؟ لأن الأسعار المستقبلية مبنيّة على هذه التوقّعات. لهذا، فإن أيّ حديث عن أثر التخفيض يجب أن يكون بالمقارنة في حالة عدم التخفيض.

بدون أيّ تخفيض سترتفع مستويات المخزون إلى مستويات تاريخية، وستستمرّ الأسعار في مستويات منخفضة لفترة طويلة، ومع التخفيض، لن يرتفع مستوى المخزونات بشكل كبير، ومن ثمّ فإن الأسعار ستكون أعلى من الأسعار في حال التخفيض.  وللتوضيح أكثر، إذا كان سعر برنت الآن 30 دولارًا للبرميل، وأصبح 30 دولارًا في شهر أغسطس / آب القادم، فإن هذا لايعكس فشل التخفيض، لأن الخبراء والمحلّلين كانوا يتوقّعون هبوط الأسعار إلى ما دون 10 دولارات دون أيّ تخفيض، وبعضهم توقّع أسعارًا سالبة. إذن، أثر التخفيض في أسعار النفط كبير، رغم أن الأسعار نفسها لم تتغيّر كثيرًا عمّا كانت عليه.

ثانيًا، أثر إعلان أرامكو عن أسعارها الرسمية أكبر من أثر الإعلان عن تخفيض الإنتاج، وذلك لعدّة أسباب، أهمّها: أن أثره في الأسواق فوري، بينما أثر التخفيض ليس فوريًا، ويأخذ وقتًا، خاصّةً في ظلّ ارتفاع مستويات المخزون.

ومن الأسباب أيضًا أنه يعكس انخفاض الإنتاج، لذلك فإنه يُتوقّع أن تكون الخصومات منخفضة جدًا، أو دون خصومات، بهدف تشجيع المشترين على عدم الشراء. ولعلّ أكبر أثر لإعلان كهذا هو تكوين أرضية صلبة لأسعار النفط، رغم الانخفاض المريع للطلب العالمي على النفط بسبب أثار فيروس كورونا. وهذا يعني الموت المؤكّد للتوقّعات القائلة بانخفاض أسعار النفط إلى ما دون 10 دولارات للبرميل.

ولنتذكّر أن الانخفاض الكبير في أسعار النفط يوم 8 – 9 مارس / آذار الماضي، جاء بعد إعلان أرامكو تخفيضات في الأسعار بلغت 10 دولارات للبرميل في بعض الأسواق، رغم عدم وجود برميل إضافي في السوق من إنتاج أرامكو. هذا يعكس أثر التسعير.

ثالثًا، سيؤثّر الإعلان عن الأسعار الرسمية في أسعار النفط، وقد يرفعها لفترة مؤقّتة. وسبب ذلك أن الأسعار المستقبلية تعكس وضعًا يشجّع بيوت تجارة النفط العالمية وغيرها على تخزين النفط، لأن الأسعار الحاليّة أقلّ من المستقبلية بشكل ملموس، وأقلّ من تكلفة التخزين.

وعادةً يلجأ التجّار لتخزين النفط، إمّا في خزّانات أرضية، أو في ناقلات ضخمة قرب الموانئ الرئيسة، إذا كان الفرق بين سعر اليوم وسعر الشهر القادم -مثلًا- أكبر من تكاليف التخزين. فإذا رفع تسعير أرمكو أسعار النفط الآن، فإن منحنى الأسعار المستقبلية سيكون أقلّ ميولًا، ومن ثمّ، فإن الفروق السعرية ستنخفض، الأمر الذي يشجّع التجّار على التخلّص من المخزون العائم وغيره، فيحفض الأسعار نسبيًا.  إلًا أن هذه النتيجة محلّ خلاف بين الخبراء، حيث يرى بعضهم أن الوضع سيكون عكس ذلك تمامًا، إذ إن الفرق بين الأسعار الحالية والمستقبلية سيزيد، ممّا سيشجّع أكثر على التخزين. وإنّ غدًا لناظره قريب!

رابعًا، سيستمرّ إنتاج كثير من الدول بالانخفاض، خاصّةً في الولايات المتّحدة وكندا، بسبب استمرار الأسعار في مستويات منخفضة. ويُتوقّع أن يكون انخفاض إنتاج النفط الأميركي كبيرًا، وذلك لثلاثة أسباب:

  • إغلاق الآبار الحدّية والمرتفعة التكاليف: لأن تكاليف عمليات الإنتاج أعلى من الإيرادات. ويمكن لنسبة كبيرة من هذه الآبار العودة للإنتاج مع ارتفاع الأسعار فوق حدّ معين.
  • إغلاق الآبار الغنيّة في حقول الصخري: انخفاض الطلب على المنتجات النفطية يعني انخفاض عمليات التكرير في المصافي، أو توقّفها. هذا الانخفاض أو التوقّف يعني انخفاض الطلب على النفط، الأمر الذي ينتج عنه امتلاء الخزّانات.. امتلاء الخزّانات يجبر أنابيب النفط عل وقف الضخّ فيها.. توقّف الأنابيب عن الضخّ يجبر المنتجين على إيقاف الإنتاج حتّى في الآبار الغنيّة، عالية الكفاءة، ومنخفضة التكاليف.
  • ارتفاع معدّلات النضوب: مشكلة آبار الصخري أن معدّلات النضوب عالية، وتتجاوز 60% في السنة الأولى. واستطاعت صناعة الصخري زيادة الإنتاج عن طريق الزيادة المضطردة في عدد الآبار المحفورة والمكمّلة، بحيث إن الإنتاج الجديد يعوّض عن معدّلات النضوب في آبار العام السابق وزيادة. ولكن مع انخفاض أسعار النفط، انخفضت الاستثمارات بشكل كبير، ومن ثمّ انخفض عدد الآبار المُكمّلة، وليس هناك تعويض عن معدّلات النضوب. وهكذا سيتحوّل النمو المستمرّ إلى تناقص مستمرّ.

خامسًا، بشكل عامّ، لايمكن فصل النفط عن السياسة، ولايمكن إنكار دور السياسة في تطوّرات أسواق النفط في الأسابيع الأخيرة. ورغم أن أسعار النفط لن ترتفع بشكل ملحوظ، بسبب التخفيض المعلن، إلًا أن لإلغاء الضغوط السياسية من إعلان التخفيض فائدة كبيرة، يصعب تقدير قيمتها بالنسبة للسعودية وروسيا. وبهذا فإنه سيتمّ لوم “كورونا” أو “الوضع الاقتصادي” إذا انخفضت أسعار النفط في الأيّام القادمة، أو بقاء الأسعار منخفضة لفترة أطول، بدلًا من لوم هذين البلدين.

نظرة مستقبليّة

أهمّ متغيّرين يؤثّران في مستقبل أسواق النفط الآن، هما “كورونا” و”كمّية الانخفاض في إنتاج النفط”، في دول خارج أوبك.  المتوقّع أن ينحسر كورونا وأثره في الشهور الثلاثة القادمة، ومع هذا الانحسار ستنتعش اقتصادات كثير من الدول، وحركة السفر نسبيًا، حتّى لو ظهرت معالم الركود أو الكساد الاقتصادي في عدد من الدول. وسيرافق هذا الانتعاش زيادة في الطلب على النفط. إلا ن هناك من يقول، إن كورونا لن ينحسر حتّى إيجاد علاج له، وبذلك فإن الوضع الحالي سيستمر، ومن ثمّ فإن الطلب على النفط لن ينتعش.

كما يُتوقّع أن ينخفض إنتاج دول خارج أوبك بشكل كبير في الشهور القادمة، خاصّةً في الولايات المتّحدة، للأسباب المذكورة أعلاه. وسيأتي وقت تجتمع فيه ثلاثة أمور: تحسّن الطلب العالمي على النفط، انخفاض الإنتاج من خارج أوبك، وتخفيض دول أوبك، الأمر الذي سيخفض مخزونات النفط العالمية، فترتفع أسعار النفط.

وإذا عاد الطلب العالمي على النفط إلى حوالي 100 مليون برميل، في الوقت الذي ينخفض فيه إنتاج دول خارج أوبك قرابة 4 ملايين برميل بوميًا، فإن أسعار النفط قد ترتفع إلى أكثر من ضعف ما عليه الآن.

وقد يقول قائل، إن ارتفاع أسعار النفط مستقبلًا سيجعل منتجي الصخري يرفعون الإنتاج، ويعود الصخري إلى معدّلات النموّ العالية التي كان عليها في العامين الآخرين، ومن ثمّ تعود أسطوانة التخفيص نفسها مرّات ومرّات. ويُردّ على ذلك، بأن وضع الصخري الآن يختلف عن الماضي، لأسباب عدّة، أهمّها نسبة إنتاج الغاز والغازات السائلة في إنتاج آبار النفط، وانهيار أسعار هاتين المادّتين. فمشكلة الصخري هي الغاز والغازات السائلة، والتي يزيد إنتاجها إذا ارتفع إنتاج النفط. وبالنسبة للمنتج، لا يمكنه أن يحقّق أرباحًا معقولة إذا كان ما قيمة له في السوق هو فقط 60% من كلّ برميل نفط مكافئ.

*خبير في أسواق الطاقة والنفط -المقال خاصّ لـ”الطاقة”

الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى